«قلب مرتجع».. رشا الخطيب تكتب الشعر بفنجان القهوة وتفكك قلق الحياة

بقلم: حسين عبد العزيز
وصف ميتا: يأتي ديوان الشاعرة رشا الخطيب الجديد «قلب مرتجع»، الصادر ضمن مسابقة أشرف بدير الأدبية لعام 2026، من عوالم قريبة منا تمامًا، بل لعلها عوالم لصيقة بنا وبالحياة اليومية، بما تحمله من مفردات وتفاصيل. نحن نعيش داخل هذه القصائد؛ فهي تنحاز إلى تفاصيل العيش، وترسمها متلبسة بهواجسها وما تحمله للروح من رؤى ومشاعر ومواقف ومشاهد تمر بلا صخب، لكن الشعر يلتقطها بعين المخيلة، ويمضي إلى رسمها على الورق باحتفاء بالذات والجزئيات الصغيرة.
وتبرز هذه العوالم في قصائد «الذكاء الاصطناعي»، و«سينما»، و«أتراني»، و«سفرك». وهي نماذج تدفعنا إلى التساؤل: هل كانت الشاعرة تكتب عنا بقصد أو دون قصد، وهي تمضي في الدرب الذي شقته لنفسها بعيدًا عن تجارب أخرى؟
يحمل هذا السؤال قدرًا من الوجاهة، لكن الشاعرة تختار تفاصيل الواقع كما تتبدى عبر مصفاة المخيلة، فتختلف سرديتها، وتبتعد اختياراتها عن المشاهدة العابرة. إنها ترى التفاصيل اليومية كما ترسمها حدقة التلقي، ثم تعيد تشكيلها على نحو مختلف.
الذكاء الاصطناعي.. قلق قديم بلغة جديدة
قد تكون قصيدة «الذكاء الاصطناعي» من النماذج اللافتة في الديوان، خاصة أن الخوف من هذا التطور التكنولوجي ليس وليد الأيام التي نعيشها. فقد تناول الدكتور فؤاد زكريا موضوع «العقل البشري والعقل الإلكتروني» في دراسة نشرتها مجلة «العربي» الكويتية، في العدد رقم 221، عام 1977، وهو ما يفتح الباب أمام تأمل تاريخ طويل من القلق المرتبط بالعلاقة بين العقل البشري والعقل الإلكتروني.
وهنا تبدو المفارقة واضحة؛ فالمخاوف التي نناقشها اليوم لها جذور سابقة، وإن اختلفت صورها وتطورت أدواتها. وتمنح الشاعرة هذه القضية مساحة داخل تجربتها، لتعيد طرحها في سياق شعري يستوعب أسئلة الحاضر ومخاوفه.
أما لغة الديوان، فهي بسيطة وسهلة الفهم، لا تفرض على القارئ مشقة في التأويل، لكنها تحتفظ بحلاوتها وقدرتها على التعبير. ومن خلال هذه اللغة، تقدم الشاعرة القلق وترسمه وتنقشه على الورق.
وتتجاوز الوقائع في قصائدها كونها تفاصيل عابرة استقرت في الذاكرة؛ لتصبح صفحات من كتاب الحياة، تحكي وتطرح أسئلة تتداخل فيها عبثية الواقع مع الحوار الذهني، وتدفع الشعر إلى مناطق أخرى من المعنى، تتجاور فيها الحقيقة مع الافتراض والخيال.
إنها رؤية تحفظ للشعر ارتباطه العميق بالحياة الفردية، وبما تنطوي عليه التجربة الشخصية من جموح نحو الحب بمعناه الأبعد، ذلك العالم الكامن في خلفية الوعي والذاكرة.
وتمتلك قصائد رشا الخطيب قدرة على التجوال بين الهواجس والقلق، فتأتي بصورها ومشاهدها التي تطرح الأسئلة والوقائع، لا بحثًا عن إجابات نهائية، وإنما إشارة إلى عوالم حميمة من التعلق بالحياة، باعتبارها غاية تستحق جماليات الشعر وجاذبيته.
وتقول الشاعرة في مقطع من قصيدة «سينما»:
«أن أضع حياتي
على شريط سينما؟
هل لأن ذراعي وساقي
تتطايران؟
وشاشة ماجنة تحملنا خارج المجرات
تغيرت معالم السماء
وبقيت الأحداث».
تحضر الفكرة هنا بوضوح، مصحوبة بسطوة الذاكرة، وبما تحمله المسافة بين الحزن والفرح من قسوة، وهي المسافة التي تختصر معنى الحياة.
تستعيد الشاعرة مشاهد من الذاكرة والواقع اليومي، وترسمها بريشة الفن وعدسة المخيلة، متأملة محطات العيش الإنساني، من البدايات إلى النهايات، وما يتخللهما من عصف ينهش الأرواح والنفوس، ويصبغ الحياة بألوان الحزن والقلق.
ومع ذلك، تكتب رشا الخطيب بشغف العاشق للحياة، الذي يحتفظ بتعلقه بالأيام والسنين، ويرى التجاعيد في وجوه الناس، كما يراها في وجه الأيام وتفاصيلها.
تعيدنا قصائد الشاعرة إلى عوالم شعرية لا تمر في حياتنا ثم ننساها ببساطة، وإنما تحفر مجراها عميقًا في أرواحنا، وتعيد إلينا حيوية الرؤية والتعبير عنها.
وفي المجموعة الجديدة، تتجلى عوالم الحنين خلف المشاهد الشعرية، من خلال التكثيف والاقتصاد اللغوي، بما يدفع إلى تأمل أهم ما يميز قصيدة النثر، وهو اللغة التي تحتفظ بكثافتها، وتبتعد عن الزوائد والاسترسال، رغم ما تحمله القصائد من سرديات درامية تمثل إحدى أبرز جمالياتها.
تأتي اللغة رشيقة وعفية، ذات إيقاع خاص، وتبرز قيمتها في رسم الصورة الشعرية وتوظيفها داخل السياق. وتدور وقائع قصائد رشا الخطيب في شوارع الروح الفردية، وما تحمله من آلام، لتقدم تعبيرًا فنيًا يجمع بين البساطة العميقة وجاذبية الكتابة المختلفة.
«قلب مرتجع».. عنوان يختصر الحكاية
قبل الدخول إلى تفاصيل الديوان، لا بد من التوقف أمام عنوانه «قلب مرتجع». هل به عيب في التصنيع؟ أم انتهت صلاحيته؟ أم أصابه سوء الاستخدام، فأصبح من الضروري إعادته إلى البائع؟
كأننا نتهم البائع بأنه باع لنا قلبًا معيبًا، غير صالح للاستخدام، بسبب التصنيع أو التخزين أو سوء الاستعمال أو أي سبب آخر. يحدث كل ذلك بينما يعلق البائع لافتة حمراء على الباب، كتب عليها: «القلوب المباعة لا ترد ولا تستبدل».
من هنا، أرفع القبعة احترامًا للشاعرة رشا الخطيب على هذا العنوان الذي يفتح أبواب التأويل، ويمنح القارئ فرصة الدخول إلى التجربة من عتبتها الأولى.
«هنا كان رأسي».. الكتابة في ذروة التوهة
في نص «هنا كان رأسي»، كما في غيره من نصوص الديوان، يتداخل الحدث بالفكرة، ويتحول النص إلى تعبير عن حالة من التوهة يعيشها المبدع.
ولعلنا نتذكر وصف يوسف إدريس لحال المصريين، حين تحدث عن التوهة التي يعيشونها. فالنص قد يولد في لحظة تشتد فيها هذه الحالة، وتبلغ ذروتها أثناء الكتابة، مثلما تنتابنا في الشوارع وفي تعاملاتنا اليومية مع الناس.
وفي تلك اللحظات، قد لا ندري كيف كتبنا ما كتبناه؛ فالكاتب يكتب كي يستريح من هم جاثم على صدره، كما يجثم جبل المقطم على قلب القاهرة. وكما لا تكون القاهرة قاهرة من دونه، لا تكون الشاعرة شاعرة من دون ذلك الهم الذي يثقل روحها. إنها شاعرة لأنها تمتلك القدرة على تحويل هذا العبء إلى إبداع.
والآن، ندخل إلى الديوان.
لديّ قناعة أكررها في مواضع مختلفة، وهي أنني لست معنيًا بنوع النص، سواء أكان شعرًا أم سردًا. لا يهمني إن كانت القصيدة تفعيلة أو عمودية أو عامية أو نثرية؛ ما يهمني بوصفي قارئًا هو المكان الذي يأخذني إليه النص، ومدى استمتاعي به، وما إذا كان يذكرني بنصوص أخرى موازية له في الجودة.
فالمتعة هي الغاية المرجوة من القراءة، كما أنها مطلوبة في أفعال أخرى نقوم بها؛ حتى الفعل التعبدي يمنح صاحبه الطمأنينة التي تريح الروح، فإذا ارتاحت الروح ارتاح الجسد.
وأظن أننا نعرف كيف انضم أحمد بهاء الدين إلى مؤسسة روزاليوسف، وكيف أصبح رئيس تحرير مجلة «صباح الخير». لقد نظر إحسان عبد القدوس إلى المضمون، ولم ينظر إلى صاحب المضمون. وهذا ما أفعله أنا أيضًا.
فنجان القهوة.. المضمون قبل الشكل
لا يشغلني نوع البن الذي أُعد منه فنجان القهوة، ولا ما إذا كانت المياه معدنية أو من الصنبور، ولا إن كانت القهوة قد أُعدت على نار هادئة أو على الفحم. كل ما يهمني هو الطعم الذي أحصل عليه أثناء تناول الفنجان وبعده.
أقول ذلك وأنا أقف أمام ديوان شعر نثري اكتملت فيه ملامح التجربة الإبداعية؛ لأن كاتبته مبدعة تمتلك أدواتها، وليست مدعية للإبداع. إنها تقدم تجربة ناضجة، لا تبحث عن فرصة بقدر ما تقدم حالة مشبعة بالثقافة والمعرفة، وهو ما يتضح في أرجاء قصائدها.
ومن هنا، أقدم نماذج من هذه القصائد حتى يستمتع القارئ معي.
«أتراني شاعرة».. سؤال الذات المعذبة
في قصيدة «أتراني شاعرة»، ذات السؤال الوجودي القلق، تختتم الشاعرة نصها بقولها:
«سأعيد تفكيك الحنين
وأعيد توزيع الأدوار
لا أبطال
لا ضحايا… لا خصوم
فقط أنا وأنت».
في الحياة، وفي الشارع، وفي الحافلة، وفي القصيدة، تحاول الشاعرة، من خلال بطلة نصها، القيام بعمل بطولي تنجو به من عذاباتها. وربما يكون الصراع الحقيقي مع الذات المعذبة والقلقة، التي قد تخشى حتى ظلها.
ومن هنا يأتي القلق بوصفه ملمحًا بارزًا في هذا النص وفي معظم نصوص الديوان، خصوصًا القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها: «قلب مرتجع».
«قلب مرتجع».. حين تصبح اللغة فنًا
لو لم يضم الديوان سوى قصيدة «قلب مرتجع»، لكانت كافية لأن نصفق للشاعرة ونشكرها على هذا النص المدهش.
إنها قصيدة تذكرني بالمبدع محمد صلاح وفنه في التعامل مع الكرة؛ فالشاعرة تمتلك بدورها فن التعامل مع اللغة. وقد كتبت في هامش القصيدة عبارة: «فن التعامل مع اللغة كما محمد صلاح وفن التعامل مع الكورة».
إن مهارة التعامل مع الكرة تشبه مهارة التعامل مع اللغة؛ فكلاهما قادر على جذب المتلقي، سواء أكان قارئًا يتابع النص أم مشاهدًا يتابع المباراة.
وعندما وصلت إلى نهاية القصيدة، وجدتني أكتب: «جميل يا خطيب».
وتقول الشاعرة:
«إن السبعين رجلًا باعوني
والثمن قصيدة
على خصر الوطن
الثمن… قلب مرتجع».
لكن، قبل أن أواصل التجوال في الديوان، لا بد من التوقف عند الإهداء الذي تقول فيه الشاعرة:
«إلى أرواح تشبهني
إلى اللقاء… قريبًا
في الفردوس الأعلى».
يوحي هذا الإهداء برغبة الشاعرة في لقاء الأرواح التي تشبهها في الفردوس الأعلى، وكأنها تحمل آمالًا وأحلامًا لم تتمكن من تحقيقها في الحياة، وتتطلع إلى تحققها فيما بعد الموت.
وربما يشير الإهداء إلى أشخاص غادروا حياتها منذ الطفولة، كالأب أو العم أو الخال أو الصديقة، ولم تشبع من وجودهم، وظل رحيلهم يؤلمها. ومن هنا استعدت فكرة تناسخ الأرواح أو التقمص، المعروفة في بعض المعتقدات الدينية والروحية، ومنها معتقدات لدى العلويين والدروز والهندوس.
وتتناول بعض التصورات المرتبطة بالتقمص رحلة الأرواح وانتقالها بين أجساد متعاقبة، في إطار تصورات روحية خاصة بالخلاص والتطهير. كما تتداول بعض الروايات أفكارًا تتعلق باختلاف تصور التقمص بين الذكور والإناث، وهي أفكار تستحق التوقف عندها ومناقشتها في سياقها الديني والثقافي.
ويشير الحديث عن هذه المعتقدات إلى إشكالية العلاقة بين النص الديني والتفسير والاجتهاد، وإلى اختلاف الرؤى داخل الجماعات الدينية بشأن مصادر المعرفة الروحية وحدود الاستدلال بها.
ويذكر بعض الناس روايات عن أطفال يتحدثون عن حيوات سابقة، ويستند بعض المؤمنين بالتقمص إلى مثل هذه الروايات في دعم معتقداتهم، بينما يظل تفسيرها ومدى صلاحيتها دليلًا على التناسخ موضع اختلاف.
ومن هنا، فإن قراءة شعر رشا الخطيب تكشف عن قدرة على بناء القصيدة وتشكيل عالمها الخاص. ولكي أوفر على نفسي وعلى القارئ بعض التفاصيل، أستعيد فقرة للدكتور أحمد كرماني نشرها في العدد الأول من مجلة «الشعر» بعد عودتها إلى الصدور.
يقول كرماني، في معرض تقديم دراسته، مستشهدًا بما أشار إليه أستاذه عز الدين إسماعيل في كتابه «الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية»، إن الشعر العربي اتجه نحو الدراما، التي تقوم على الصراع، وإن التفكير الدرامي لا يسير في اتجاه واحد، بل يضع في اعتباره أن لكل فكرة فكرة تقابلها، وأن وراء كل ظاهرة باطنًا خفيًا.
«خمرة المحبين.. حفيدة الحسين».. الشعر في مواجهة التاريخ
في قصيدة «خمرة المحبين.. حفيدة الحسين»، يقترب النص من واحدة من أكثر المحطات حساسية في التاريخ الإسلامي، وهي المحنة التي رافقت بدايات تشكل المجتمع الإسلامي سياسيًا وحضاريًا واجتماعيًا.
لقد كُتب الكثير عن الأحداث التي عصفت بآمال المسلمين في تلك المرحلة، لكنني لم أجد، حتى الآن، ما يكفي من القراءات المغايرة التي تعيد النظر في الأحداث السياسية التي وقعت بعد وفاة الرسول الكريم.
فقد سعى كل فريق إلى أن يكون الحكم من نصيبه، وهو ما يجعل تلك المرحلة بحاجة إلى قراءة متأنية تتجاوز الانفعال والعاطفة إلى التفكير والتحليل.
ولا يمكن الوقوف عند الفتنة الكبرى من دون الإشارة إلى ما سبقها من خلافات وتفاعلات سياسية، ومحاولة فهم ما جرى بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
وهنا يبرز السؤال: كيف كان يمكن أن يتغير التاريخ لو اتخذت الأحداث مسارًا مختلفًا، ولو استمر الحكم في بيت آل عبد المطلب؟ وهل كان من الممكن أن يستمر ذلك المسار حتى عصرنا الحالي؟
إن ما حدث في تلك المرحلة قد تكون له نتائج لا نستطيع إدراك أبعادها كاملة، لأننا كثيرًا ما نفكر بالعاطفة لا بالمنطق، ونستند إلى الانفعال بدلًا من التحليل والتخيل المستقبلي.
ومن هنا، تبدو قصيدة «خمرة المحبين.. حفيدة الحسين» مدخلًا للتأمل في التاريخ والذاكرة، بعيدًا عن الاكتفاء بالعنوان، الذي قد يجذب القارئ قبل أن يقترب من متن النص.
«قلم أبيض».. مزج الخاص بالعام
تأتي قصيدة «قلم أبيض» في مقدمة الديوان، ومنذ قراءتها الأولى، وقبل الوصول إلى نهايتها، نكتشف أن الشاعرة تحسن التعامل مع الكلمة والأبجدية، وتوظفهما للتعبير عن أفكارها ومشاعرها.
تقول الشاعرة:
«في أول مرة مددت يدي
نحو الحرية
كنت مرشدي
وكنت خادمتك
وأميرتك النائمة
المعلقة
بين النص والارتجال
كنت من ذكرني أني أحيا
على الحبر
قلم أبيض على صفحة سوداء يخبرها
أن السواد كالليل
لا كالعهر
السواد بوادي النيل لا بالخارطة
السواد بضفائري لا
بأظافري».
هنا تمزج الشاعرة الخاص بالعام، فلا يعود الفصل بينهما هو المهم بقدر ما تصبح التجربة نفسها مدخلًا لفهم القلق والخوف اللذين يحيطان بالإنسان من جهات مختلفة، سواء كان فردًا أو جزءًا من مجتمع يعيش فيه، لكنه لا يشعر دائمًا بأنه يعيش داخله.
وفي هذه المفارقة تتجلى أزمة الإنسان مع وطنه وواقعه، حين يصبح الوطن حاضرًا في الجغرافيا، لكنه غائب عن الوجدان.
وتدفعنا هذه التجربة إلى التفكير في الكتابة بوصفها بحثًا عن الذات والهوية والماهية الخاصة بالمبدع. فالكتابة نتاج اجتماعي يعبر عن استجابات الإنسان للحياة، وما تفرضه من مواقف وأحداث قد تبدو غير مفهومة أو غير مقبولة، لكنها تظل جزءًا من التجربة الإنسانية.
ومن هنا، تصبح الكتابة بالنسبة إلى المرأة درعًا إبداعيًا في مواجهة قسوة العالم، ويغدو حضورها الأدبي حقيقة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها إلا بقراءات تفتقر إلى الإنصاف.
ولست هنا معنيًا بنوع أدبي بعينه، وإنما بالقضية التي يطرحها النص والطريقة التي يقدمها بها.
ومن خلال قراءة الديوان، يتضح البعد المعرفي الذي تستند إليه الشاعرة في بناء عالمها الشعري، وهو ما يدفعني إلى استعادة ما كتبه الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه «ثورة الأدب»، الصادر عن دار المعارف.
ففي الصفحة الخامسة والخمسين، يتناول هيكل أسباب تطور النثر وجمود الشعر، ويربط ذلك باتصال الكُتّاب بحضارة العصر ومظاهرها العقلية والنفسية، في مقابل اكتفاء بعض الشعراء بما قرؤوه في الشعر العربي القديم، وعدم تغذية عقولهم وأرواحهم بما ينتجه العصر من آثار فكرية وإنسانية.
كما يشير إلى توظيف الشعر في مناسبات التكريم والتأبين وافتتاح المؤسسات، وهي مناسبات قد تبعده عن جوهره الإبداعي.
ويتحدث هيكل أيضًا عن أثر القراءة في التجربة الشعرية، وما قد يعتري بعض الشعراء من قصور في الاطلاع، مع الإقرار بأن لكل حالة ظروفها وأعذارها.
ويشير إلى أن القراءة والاجتهاد فيهما قد يستهلكان جهد الإنسان وأعصابه، مستحضرًا في المقارنة رجال الدين الذين يواظبون على قراءة كتب العقائد والأصول والفقه وما يتصل بها.
وأستعيد هذه الأفكار لتأكيد أن الشاعرة، شأنها شأن كتّاب السرد، لا تكتب بمعزل عن الكتب والواقع، وإنما تستمد منهما عناصر تجربتها، ثم تقدم منتجها الإبداعي الخاص.
«قلم أبيض».. من الكلمة إلى المعنى
والحق يقال إن أول ما يتبادر إلى ذهني عند سماع عبارة «قلم أبيض» هو قلم التصحيح الذي نستخدمه في العمل، لكن الشاعرة تمنح العبارة معنى آخر، وتفتح بها بابًا جديدًا للعب بالكلمة ودلالاتها.
فهي لا تكتفي بالمعنى المباشر، وإنما تنفذ إلى ما يكمن في قلب الكلمة، لتصل إلى المعنى الذي تريد تسجيله على الورق.
وتبني الشاعرة نصها من خلال قضية وجودية، تمزج فيها التاريخ بالجغرافيا، والماضي بالحاضر، وتنجح في تقديم تجربة إبداعية ثرية تستحق القراءة.
وتقول:
«السواد بوادي النيل لا بالخارطة
السواد بضفائري لا
بأظافري
السواد لا يطلق أشباحًا
صراخًا
أو حتى انفجارات عاطفية
مسكين من لم يقرأ
بقية الصفحات
وترك الصفحات
وترك البوح على
مداخل الكاتبة».
وبوصفي قارئًا، ماذا أريد أكثر مما يقدمه هذا النص؟ إنه يشبه فنجان القهوة الجيد، الذي لا تتحدد قيمته باسم البن أو طريقة إعداده وحدهما، وإنما بما يمنحه من مذاق ومتعة.
وهكذا أجد في «قلم أبيض» نموذجًا لقدرة رشا الخطيب على التعامل مع اللغة، وتوظيفها في التعبير عن الذات والواقع، وتحويل التفاصيل الصغيرة إلى تجربة شعرية تترك أثرها في القارئ.





