في ذكرى ميلاده.. كيف صنع صلاح قابيل بطولة من أدوار الصف الثاني؟

تحل اليوم 27 يونيو ذكرى ميلاد الفنان الكبير صلاح قابيل، أحد أكثر الممثلين حضورًا في تاريخ السينما والدراما المصرية، رغم أنه لم يكن يومًا من نجوم البطولة المطلقة، وبينما اعتادت الصحافة في كل عام أن تستعيد قصة رحيله المفاجئ أو شائعة دفنه حيًا، تبقى هناك زاوية أكثر أهمية تستحق التوقف أمامها؛ وهي كيف استطاع هذا الفنان أن يغيّر مفهوم “الدور الثاني”، وأن يجعل من الشخصية المساندة بطولة قائمة بذاتها، حتى أصبح وجوده في أي عمل علامة على الجودة والصدق الفني.

في تاريخ السينما المصرية نجوم كثيرون حملوا أسماء الأفلام على أكتافهم، لكن قليلين فقط كانوا قادرين على سرقة انتباه الجمهور من البطل نفسه، كان صلاح قابيل واحدًا من هؤلاء؛ ممثلًا لا يحتاج إلى مساحة كبيرة أمام الكاميرا، لأن حضوره وحده كان كافيًا ليترك أثرًا يبقى في ذاكرة المشاهد سنوات طويلة.

ولد صلاح قابيل في 27 يونيو 1931 بقرية “نوسا الغيط” التابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، قبل أن تنتقل أسرته إلى القاهرة. وهناك بدأ طريقًا مختلفًا تمامًا عما انتهى إليه؛ إذ التحق بكلية الحقوق، لكنه لم يلبث أن تركها بعدما اكتشف أن شغفه الحقيقي يكمن في المسرح، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، في قرار غيّر مسار حياته بالكامل، وبعد تخرجه انضم إلى فرقة مسرح التلفزيون، التي خرج منها جيل كامل من كبار الفنانين، لتبدأ رحلة امتدت أكثر من ثلاثة عقود بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون.

بدأ ظهوره السينمائي بفيلم «زقاق المدق» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، ثم توالت أعماله في أفلام أصبحت لاحقًا علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، مثل «بين القصرين» و«نحن لا نزرع الشوك» و«البرئ» و«الحرافيش» و«العار» و«الراقصة والسياسي»، إلى جانب عشرات الأعمال الأخرى التي تجاوزت السبعين فيلمًا، لكن اللافت أن صلاح قابيل لم يكن يبحث عن حجم الدور، بل عن قيمته، وهو ما جعله يؤدي شخصيات متباينة؛ الضابط، والسياسي، ورجل الأعمال، والفتوة، ورجل المخابرات، والأب، والمجرم، والإنسان البسيط، دون أن يقع في فخ التكرار.

ولعل أكثر ما يميز تجربته أنه كسر قاعدة غير مكتوبة في السينما، مفادها أن البطولة وحدها تصنع الخلود، فقد أثبت أن الشخصية الثانوية، إذا أداها ممثل يمتلك أدواته، قد تتحول إلى أكثر الشخصيات رسوخًا في ذاكرة الجمهور، ويكفي أن يُذكر اسم علام السماحي في مسلسل «ليالي الحلمية» حتى يحضر صلاح قابيل في أذهان المشاهدين، رغم أن العمل ضم عشرات النجوم الكبار، وعندما رحل فجأة أثناء تصوير الجزء الأخير، اضطر صناع المسلسل إلى تعديل الأحداث بعد غياب الشخصية، وهو ما يعكس حجم تأثيره داخل العمل.

ولم يكن نجاحه قائمًا على الأداء الانفعالي أو المبالغة في التعبير، بل على مدرسة مختلفة تعتمد على الاقتصاد في الحركة، والصدق في الأداء، والقدرة على التعبير بنظرة أو نبرة صوت، ولهذا السبب كان كثير من المخرجين يفضلونه في الشخصيات المركبة التي تحتاج إلى ممثل يمتلك حضورًا هادئًا لكنه نافذ.

وفي فيلم «الراقصة والسياسي» قدم واحدًا من أكثر أدواره نضجًا، إذ جسد شخصية السياسي الذي يوازن بين السلطة والمصالح والصراعات الإنسانية، بينما برع في «البرئ» و«الحرافيش» في تقديم نماذج اجتماعية معقدة بعيدة عن التنميط، ليؤكد أن الممثل الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهد، وإنما بقدرته على منح الشخصية حياة كاملة.

وعلى خلاف ما يعتقده كثيرون، لم يكن صلاح قابيل نجم سينما فقط، بل كان من أوائل الوجوه التي أسهمت في تأسيس الدراما التلفزيونية المصرية الحديثة، فقد شارك في أعمال أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية، مثل «ضمير أبلة حكمت» و«دموع في عيون وقحة»و«القاهرة والناس» وغيرها، ونجح في الانتقال بين الشاشة الكبيرة والصغيرة دون أن يفقد بريقه أو مكانته الفنية.

وعلى المستوى الشخصي، عُرف صلاح قابيل بابتعاده عن الصخب الإعلامي، فلم يكن من الفنانين الذين يملؤون الصحف بتصريحاتهم أو خلافاتهم. وحتى بعد رحيله، طغت على سيرته شائعة دفنه حيًا، وهي الرواية التي نفتها أسرته أكثر من مرة، مؤكدة أنه توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة مصحوبة بمضاعفات مرض السكري، وأن ما تردد عن استيقاظه داخل المقبرة لا أساس له من الصحة. ورغم نفيها المتكرر، ظلت الشائعة تطارد اسمه لسنوات، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية أكثر من كونها حقيقة تاريخية.

وربما تكمن قيمة صلاح قابيل الحقيقية في أنه لم يسعَ يومًا إلى منافسة نجوم جيله على مساحة الأفيش أو ترتيب الأسماء، بل انشغل ببناء شخصية متكاملة في كل عمل يشارك فيه. لذلك بقي حاضرًا في وجدان المشاهد العربي، بينما غابت أسماء كثيرة كانت تتصدر البطولة في زمنها.

وفي ذكرى ميلاده، لا تبدو أهمية صلاح قابيل في عدد أفلامه أو مسلسلاته فحسب، بل في الدرس الذي تركه للأجيال الجديدة: أن الموهبة الصادقة قادرة على صنع الخلود، حتى وإن وقفت في الصف الثاني على شاشة السينما. فالفن، في النهاية، لا يتذكر من وقف في المقدمة، بقدر ما يتذكر من ترك أثرًا لا يُنسى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى