الناقد أحمد فرحات يكتب: طيوف ترسمها حروف
بقلم الناقد: أحمد فرحات
يلج عبد القادر عبد الحي كمال المقامة من الباب الملكي الكبير باب الشعر، فهو شاعر، له إسهامات عديدة في الشعر.
نص المؤلف على المقامات بعناوين صريحة دالة على الاسم الصريح للمقامة وذكر: المقامة الاعتذارية، المقامة الضبية. ولم يذكر لفظ المقامة في باقي العناوين، وبقراءتها جميعا اتضح أن العناوين بعضها لا يتلامس مع المقامة، بل هي آراء فكرية ونقدية وتداعي ذكريات حميمة لمواقف معينة.
اختار المؤلف راوية اسمه طامر بن أبي طامر ينقل على لسانه نص المقامة، وفي رمزية الاسم دلالة واضحة تعود إلى الجذر الثلاثي(طمر) وطمر طمورا: وثب إلى أسفل، وطمر في الأرض استخفى وذهب، وطمر الشيء ستره حيث لا يُدرى ولا يُرى. وطامر بن طامر أي المجهول هو وأبوه. فدلالة الراوي هنا تعني المجهول أو المخفي، غير المعروف، وهو اسم يسمح لك باستعمال الخيال أكثر من الحقيقة، فلا تبحث عن الاسم بل الدلالة والرمزية.
الخيال مركب صعب المنال، مخافة أن يضيع المبدع بين جنباته، فيصيب المتلقي بالتشتت، والفوضى، أما الخيال المحكم فهو عماد العمل الأدبي وعمود خيمته، ومن ثم تحكم المؤلف في خياله الجامح وأحكم عليه قبضته خشية أن ينحل عقد المقامة، وينفك. فقد تصور امرأة تعاتبه على عدم اهتمامه بها، فقدم إليها المؤلف اعتذارا نثرا وشعرا، وجاءت النهاية صادمة للقارئ، فقد كان نائما، وما هي إلا أضغاث أحلام. ولكن… لماذا الحلم؟ أظن أن الحلم هنا ضرب من تبرير اعتراف المرأة بحب الرجل الشهم، ذي المروءة والشهامة، فقد كانت المرأة جريئة بالقدر الكافي لجعل الحلم تمريرا مباحا لحلمه المشروع.
“حدثني طامر بن طامر، قال: خرجت إلى الفلاة في يوم مطير، والمطر يهمي برذاذ خفيف، وهتان لطيف، وأبعدت في السير أنتجع نجعة، وألتمس متعة ، فلاح لي على بعد خباء فيممت شطره، واتجهت نحوه، فإذا برجل جالس في الخباء، مشتمل في عباءته، يقلب النار وهو مطرق إطراقة النادم، ومغض إغضاءة الساجم، قال: فاقتربت من الخباء، فإذا بامرأة تقبل من الثنية متجهة نحو الخباء، فلما وقفت عند صاحبه، ألقت سلامها، بعد أن أحكمت لثامها، ثم حدثته في عتاب..”
يلاحظ على أسلوب الكاتب اعتماد السجع واللغة الرصينة الراسخة، والاهتمام بوصف المكان والزمان، فهو يصف مكانا وزمانا أشبه بخلفية حلم، ففي الشتاء يستكين المرء ويهدأ ويقر بسبب برودة المكان، مما يستدعي سيل ذكريات الماضي، واستحضار ما من شأنه أن ينفجر داخليا، مفكرا فيما آلت إليه الأمور الخاصة، فيترك المجال للذهن يعصف به يمينا ويسارا وصعودا وهبوطا. وفي السطور الأولى للمقامة يوضح المؤلف سبب مجيء المرأة للرجل، وهو العتاب. فالعتاب داع إلى الحوار المتخيل، وهو باعث على إقامة جسر المودة بينهما.
يقدم الرجل اعتذاره إلى المرأة التي تعاتبه على غرار اعتذار النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر، حيث يقدم اعتذاره شعرا فيقول: ليتني أبقيت شريان المحبة .. وتركت النهر يجري لمصبه
وسقيت البرعم النامي ودادا .. ورعيناه لنجنيه حصادا
ومما يلفت الانتباه إلى المقامة برمتها بعد عتاب المرأة للرجل، النهاية غير المتوقعة، ليجذب القارئ ويشد التفاتته إلى التفكر مليا في موضوع المقامة القائم على التخيل. فالحلم حل مناسب للمأزق الذي وقع فيه.
أما المقامة الضبية فهي مقامة تجسد الإسقاط السياسي في المجتمع الدولي الكبير، وفيها فانتازيا حيث يتناول المؤلف الواقع المعيش بطريقة غير مألوفة، وهي نوع من أنواع التلاعب في الكتابة من خلاله يقول المؤلف ما لم يقدر على قوله بالتعبير المباشر الصريح، فهي حيلة فنية تعتمد على الخيال المجنح، فيتصور المؤلف أن ثمة مجتمعا من الضبان، كان يعيش في أمان، يلهو مع القطعان، حتى حل بأرضه بني الإنسان، فقتلوهم، وفرقوا شملهم، فعقد اجتماع عاجل للضبان، فقام فيهم خطيب يقظان، فقال:
يا آل الضبان، يا أبكار الزمان، وفرائد الأزمان، أرأيتم ما حل بساحتنا، وما وقع على جماعتنا، فلا بيت إلا ومنه مأسور، والبكاء لا يذهب ما في الصدور، فدعونا نتداول المشورة، ونقلب الرأي صورة بعد صورة، لنخرج برأي مكين.
ثم ذكّر بني الإنسان عاقبة ما فعلوه، وما اقترفته أيدهم فقال:
يا بني الإنسان، يا صفوة العرب ونقوة العربان، أحذركم عواقب الطغيان، والعدوان على جيرانكم الضبان، أذكركم بحق الجار…
أما حكيمهم المعروف فسار بالحديث سير الحكمة والعقل فقال في الجمع:
والرأي أن نقول لبني الإنسان هؤلاء تعالوا إلى كلمة سواء، ونوقع عهدا ونكتب تعهدا، ألا يعتدوا، فإذا أضحى التراب يابسا، والمرعى عابسا، ومستهم اللأواء، وبلغت القلوب اللهاء، … فلهم الرخصة أن يصطادوا من الضبان ما يرجون دون إسراف ولا انجراف…
أما شاعر الجماعة فقام ينظم شعره في الموقف المشهود فقال:
تراءت لنا بنت الضباب عشية..ترجّل شعرا كالمثاني فاحما
فقلت لها بنت الضباب أسرتني .. فقالت عليك اللوم لا تك لائما
فيا قوم هبوا هبة ضببية .. تعيد لنا حقا ونخري مراغما
فقام ضب آخر تمثل شعرا بقول الحريري في المقامة الحجرية:
إنّ الغَريبَ الطّويلَ الذّيلِ ممتَهَـنٌ..فكيفَ حالُ غَريبٍ ما لـهُ قـوتُ
ثم اقترح على القوم أن يرسلوا إلى كوفي عنان برقية ، لتدويل القضية.
وليس بخاف علينا الإسقاط السياسي في ذكر اسم “كوفي عنان” وما فعله في أحداث العراق، والصدام مع الأمم المتحدة. في إشارة منه إلى تعظيم شأن قضية هزيلة، وتكبير حجمها، وربما قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هذه القضية قليلة الشأن. ولعله أيضا يكون في هذا الإسقاط صورة مصغرة لما يدور بين الشعوب وبعضها، ومحاولة استدعاء قوى خارجية تفرض الأمن وتسيطر على المنطقة.




