راغب مصطفى غلوش.. أمير النغم القرآني الذي ترك للإذاعة أكثر من 500 ساعة خاشعة

في الخامس من يوليو من كل عام، تعود ذكرى ميلاد الشيخ راغب مصطفى غلوش ، أحد أعلام مدرسة التلاوة المصرية في القرن العشرين، وصاحب الصوت الذي جمع بين القوة والخشوع، حتى أصبح علامة مميزة في إذاعة القرآن الكريم، وواحدًا من أكثر القراء حضورًا في العالم الإسلامي. لكن اللافت أن معظم ما كُتب عنه توقف عند جمال صوته ورحلاته الخارجية، بينما لم يحظ جانب آخر في شخصيته بما يستحقه من اهتمام، وهو كيف أسهمت سنوات الخدمة العسكرية في تشكيل انضباطه المهني وأسلوبه الفريد في التلاوة.

نشأة الشيخ راغب مصطفى غلوش

ولد الشيخ راغب مصطفى غلوش في 5 يوليو 1938 بقرية برما التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، في أسرة ريفية محافظة أدركت مبكرًا موهبته الاستثنائية. وأتم حفظ القرآن الكريم كاملًا قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، ثم تلقى علوم التجويد على يد الشيخ عبدالغني الشرقاوي، قبل أن ينتقل إلى المسجد الأحمدي في طنطا ليتلقى القراءات على يد الشيخ إبراهيم الطبليهي، لتبدأ ملامح مشروع قارئ كبير في التكوين.

وفي سن الرابعة عشرة، بدأت شهرته تتجاوز حدود قريته، وتوالت عليه الدعوات لإحياء الليالي القرآنية في محافظات الدلتا، حتى بدا واضحًا أن موهبته تجاوزت حدود الهواية إلى الاحتراف المبكر. إلا أن محطة مفصلية غيرت مسار حياته، عندما التحق بالخدمة العسكرية عام 1958، وهي تجربة لا تتوقف عند كونها مرحلة زمنية، بل تركت أثرًا واضحًا في شخصيته وأسلوبه.

فداخل المؤسسة العسكرية، اكتسب راغب غلوش دقة الالتزام واحترام الوقت والانضباط في الأداء، وهي الصفات التي لازمته بعد ذلك طوال حياته المهنية. وتشير تقارير صحفية تناولت سيرته إلى أنه كان يتعامل مع تلاوة القرآن بالجدية نفسها التي يتعامل بها العسكري مع أداء واجبه، فلم يكن يتأخر عن موعد، ولم يُعرف عنه الإخلال بالتزام أو التقصير في إحياء مناسبة دُعي إليها.

وخلال وجوده بالقاهرة، كان يتردد على مسجد الإمام الحسين، وهناك استمع إليه الشيخ حلمي عرفة، الذي تنبأ له بمستقبل كبير، وأتاح له فرصة رفع الأذان وقراءة العشر في غياب الشيخ طه الفشني، كانت تلك اللحظة نقطة التحول الحقيقية؛ إذ لفتت تلاوته أنظار رواد المسجد، ومن بينهم مدير الإذاعة المصرية آنذاك محمد أمين حماد، الذي شجعه على التقدم لاختبارات الإذاعة، ليصبح عام 1962 أحد أصغر القراء الذين انضموا إلى إذاعة القرآن الكريم.

لم يكن صوت راغب غلوش يشبه غيره؛ فقد امتاز بمساحة صوتية واسعة، وانتقالات نغمية دقيقة، وقدرة على الجمع بين قوة الأداء ورقته، وهو ما جعل كبار المتخصصين يصفونه بأنه من أصحاب “المدرسة المتفردة” في التلاوة المصرية.

ومع اتساع شهرة راغب مصطفى غلوش ، بدأت الدعوات تتوالى عليه من مختلف دول العالم الإسلامي، وكان من أبرز محطاته إيران، التي ظل يحيي فيها ليالي شهر رمضان سنوات طويلة. وقد أثارت هذه الزيارات اهتمام الصحافة، خاصة بعد أدائه الأذان وفق الطريقة المتبعة هناك، في موقف أوضح لاحقًا أنه جاء احترامًا لطبيعة المناسبة والجمهور، دون أن يمس ثوابته أو منهجه في التلاوة. وتحولت تلك الواقعة إلى واحدة من أكثر المحطات تداولًا في سيرته.

ورغم الانتشار الواسع، ظل راغب غلوش شديد الارتباط بقريته وبجمهوره في مصر، ولم ينقطع عن إحياء الليالي القرآنية داخل البلاد حتى في ذروة شهرته الدولية. وكانت وزارة الأوقاف قد وصفته، في ذكرى ميلاده، بأنه أحد القراء الذين جمعوا بين الأداء المؤثر والحضور الدولي والتفاني في خدمة كتاب الله، مؤكدة أن أثره تجاوز حدود التلاوة إلى تعليم أجيال جديدة من محبي القرآن.

وفي سنواته الأخيرة، فضل تقليل رحلاته الخارجية بسبب حالته الصحية، حتى رحل في 4 فبراير 2016، بعد مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، ظل خلالها صوته حاضرًا في بيوت المصريين والعرب، عبر الإذاعة والتسجيلات والليالي القرآنية.

وربما يكون الإرث الحقيقي للشيخ راغب مصطفى غلوش أنه لم يترك وراءه تسجيلات خالدة فحسب، بل ترك نموذجًا نادرًا للقارئ الذي جمع بين الانضباط العسكري والخشوع الروحي، فكانت تلاوته تحمل قوة الأداء، دون أن تفقد سكينتها، وهي معادلة لم ينجح في تحقيقها إلا قلة من كبار قراء مصر.

أكثر من 500 ساعة مسجلة للإذاعة

من المعلومات التي لا يعرفها كثيرون أن الشيخ راغب مصطفى غلوش ترك لإذاعة القرآن الكريم أكثر من 500 ساعة من التسجيلات، بين تلاوات مرتلة ومجودة وسهرات قرآنية ومناسبات دينية، وهو رقم يعكس حجم حضوره وتأثيره في تاريخ الإذاعة المصرية.

وقد أشارت تقارير صحفية ومواد توثيقية عن إذاعة القرآن الكريم إلى أن تسجيلاته تُعد من أكثر التسجيلات طلبًا وإعادة بث بين محبي المدرسة المصرية في التلاوة.

أصدقاء المقام الواحد

ارتبط الشيخ راغب غلوش بعلاقات ود واحترام مع عدد كبير من كبار القراء، وكان من أبرز أصدقائه المقربين في الوسط القرآني: الشيخ محمد الليثي، الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي، الشيخ مصطفى إسماعيل الذي تأثر بأسلوبه في المقامات، الشيخ محمود علي البنا، الشيخ محمد صديق المنشاوي الذي كان يجل مدرسته في الأداء والخشوع.

وكان الوسط القرآني ينظر إليه باعتباره من القراء الذين جمعوا بين المدرسة النغمية القوية وروح الخشوع، ولذلك حظي باحترام الأجيال المختلفة من القراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى