الناقد أحمد فرحات يكتب: ساعة من الزمن

الناقد احمد فرحات

كيت شوبان.. قصة لا تتجاوز بضع صفحات أمكنها هز المجتمع كله، قصة ساعة من الزمن للأمريكية كيت شوبان، حيث كانت السيدة (ميلارد) تعاني اضطراباً في القلب، فكان من الواجب إبلاغها نبأ وفاة زوجها بأكثر الطرق عناية ولطفاً.

تولَّت شقيقتها مهمة إخبارها بما حدث، مستخدمة عبارات متقطعة وتلميحات مبهمة، كان صديق زوجها واقفاً إلى جوارها، وهو أول من علم بالخبر حيث كان جالساً في مكتب الصحيفة عندما وصلهم نبأ كارثة السكة الحديدية واسم زوجها يتصدَّر قائمة القتلى، انتظر لبعض الوقت حتى وصلته برقية ثانية تؤكد النبأ. ردة فعلها أنها بقيت مسلوبة الإرادة عاجزة عن استيعاب ما جرى، ثم انفجرت بالبكاء وارتمت فجأة بين ذراعي أختها، وعندما هدأت عاصفة الحزن سارعت مبتعدة إلى حجرتها وطلبت ألا يلحق بها أحد.

جلست على كرسيها الوثير قبالة النافذة المفتوحة وغاصت فيه من شدة الإنهاك الذي استنزف جسدها وكاد يجثم على روحها.

أسندت رأسها على حشبة مسند الرأس،ساكنة دون حراك، باستثناء تنهيدة خافتة انبثقت من حلقها وانتشلتها كطفل صغير من حلم جميل.

كانت الزوجة شابة على قدر وافر من الجمال والوقار، خطوط وجهها تنمُّ عن القوة وضبط النفس، لكن الآن لا يبدو في عينيها سوى نظرة باهتة تسمَّرت على إحدى تلك الرقع الزرقاء في السماء.

هناك شيء ما متجه صوبها، كانت تنتظره بخشية دون أن تعلم ماهيَّته! شيء ماكر ومراوغ تصعب تسميته، لكنها شعرت به ينسلُّ عبر زرقة السماء، متجهاً نحوها عبر الأصوات والألوان والروائح التي تعبق بالهواء. أخذ صدرها يعلو ويهبط في اضطراب واضح، بدأت تعي ذلك الشيء الذي يقترب ليستحوذ عليها، أخذت تحاول جاهدة إبعاده عنها بإرادة مهزوزة، ولما شعرت بأن قواها خارت, تسلَّلت همسة صغيرة من بين شفتيها المنفرجتين قليلاً، ثم عادت لتكررها بأنفاس متقطعة مرة تلو أخرى

حرة، حرة، حرة..

حرة في وقتي، حرة في جسدي، حرة ..

غير أنها أبصرت ما وراء ذاك المشهد القاتم سلسلة طويلة من السنوات القادمة لا يشاركها فيها أحد، وهي تفتح ذراعيها مرحبة بقدومها. ليس من أحد تحيا لأجله في السنين المقبلة، لذا ستحيا لنفسها فقط. لن يتمكن أي شخص مهما عَظُمت إرادته من فرض سيطرته عليها أو التدخل في شؤونها الخاصة ورغباتها.

رغم أنها أحبت زوجها بعض الأحيان، فإنها كانت لا تطيقه معظم الوقت.

(حرة، حر أيها الجسد، حرة أيتها الروح)استمرت تتمتم.

كانت أختها راكعة عند باب الحجرة المغلق وشفتاها على ثقب المفتاح تتوسل الدخول. كانت تحسُّ وكأنها تشرب إكسير الحياة عبر النافذة المفتوحة.

اندفع خيالها منطلقاً بشغب يجوب أياماً تنتظرها، أيام الربيع، أيام الصيف، كل أنواع الأيام القادمة التي ستغدو ملكاً لها. حتى جسدها سينال حريته أخيرا!

نهضت وفتحت الباب تحت ضغط من إلحاح شقيقتها، كانت عيناها تلمعان بنظرة انتصار محموم، تتبختر في مشيتها وكأنها إلهة النصر، تأبَّطت خصر أختها وأخذتا تهبطان السلالم .

قام شخص ما يفتح الباب الخارجي باستخدام المفتاح، كان القادم هو زوجها ذاته، وعليه القليل من وعثاء السفر، وفي يده مظلة وحقيبة سفر صغيرة يحملها بهدوء، لا تظهر عليه أية علامة لأثر حادث سير ولا يبدو حتى أنه سمع بحدوثه. وقف مذهولاً أمام صرخة زوجته.

عندما أتى الأطباء لفحصها قالوا إنها قضت نحبها جراء نوبة قلبية سببها انفعالات الفرح الشديد!!

حظيت هذه قصة بقدر كبير من الاهتمام النقدي، وتباينت القراءات النقدية:

يرى النقاد النسويون أن القصة تكشف القيود التي فرضها المجتمع الأبوي على المرأة، وأن شعور الزوجة بالحرية، بعد سماع خبر وفاة زوجها لا يدل على انعدام الحب، بل على رغبتها في امتلاك إرادتها وحياتها المستقلة. وقد أصبحت القصة نصًا مرجعيًا في الدراسات النسوية لأنها تكشف التوتر بين مؤسسة الزواج والحرية الفردية.

إن نجاح الحياة الزوجية أمر معقد للغاية، وهي لم تكن مستعدة للتخلي عن حريتها المطلقة من أجل أي قالب اجتماعي.

فذهب بعض النقاد إلى أن القصة تقدم صورة نقدية لمؤسسة الزواج في المجتمع الأمريكي في القرن التاسع عشر، لكنها تعمم تجربة البطلة على الزواج كله، مع أن النص نفسه يذكر أن الزوج لم يكن رجلًا قاسيًا أو شريرًا. ولذلك رأى هؤلاء أن القصة قد توحي بأن الزواج في ذاته علاقة قمعية، وهو تعميم قابل للنقاش.

بينما فسر نقاد التحليل النفسي التحول السريع في مشاعر البطلة بأنه يعكس صراعًا بين الواجب الاجتماعي والرغبة اللاواعية في التحرر. إلا أن بعض الباحثين رأى أن التحول النفسي يتم في زمن قصير جدًا، مما يجعل تطوره الدرامي أقل إقناعًا من منظور الواقعية النفسية.

أما بعض النقاد المحافظين فقد اعترض، خاصة في بدايات تلقي القصة، على تصوير فرح الزوجة بخبر وفاة زوجها، وعدّوا ذلك منافيًا للقيم الأسرية. غير أن هذا الاعتراض خفّ مع تطور الدراسات الأدبية التي ركزت على البعد الرمزي والنفسي للنص.

أبرز المآخذ النقدية على القصة

المبالغة في سرعة التحول النفسي للبطلة.

احتمال تعميم تجربة فردية على مؤسسة الزواج بأكملها.

الاعتماد الكبير على النهاية المفارقة لإحداث الأثر الفني.

محدودية الشخصيات، إذ لا تتطور شخصية الزوج بما يسمح بتكوين صورة متوازنة عنه.

في المقابل

يرى معظم النقاد المعاصرين أن هذه الملاحظات لا تقلل من القيمة الفنية للقصة، بل إن قوتها تكمن في تكثيفها الشديد، ورمزيتها، وقدرتها على إثارة قراءات متعددة، وهو ما جعلها من أكثر القصص القصيرة الأمريكية دراسةً في النقد الأدبي الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى