محمد جميز يكتب: ثلاث حكايات قصيرة تلامس أعماق النفس الإنسانية
تواصل “صوت الأهلية” نشر النصوص الإبداعية التي تفتح الباب أمام القراء لاكتشاف تجارب أدبية متميزة، وتقدم نماذج مختلفة من فن القصة القصيرة الحديثة، وفي هذه المجموعة، يطل الكاتب محمد جميز بثلاث قصص مكثفة تعتمد على الإيحاء والرمز، حيث تتقاطع السلطة مع الحقيقة، ويتجاور الفقد مع الوفاء، بينما تتجسد الخيانة في أكثر صورها قسوة، ورغم قصر هذه النصوص، فإنها تترك أثرًا عميقًا، وتدعو القارئ إلى إعادة قراءتها لاكتشاف طبقاتها الدلالية.
قصص محمد جميز ” الحاج”
وأما قصة الحاج للكاتب محمد جميز ، يقول: “ينام بيته في ظل شجرة كافور عملاقة، يقصده أهل القرية لحل مشاكلهم، إذا تكلم أنصت الجميع، وتلحفت العيون بالتراب خوفًا وطاعة. جسده النحيل وسواد وجهه الهارب من سطوة الليل وجلبابه الأبيض الفضفاض، كلها سمات لا توحي بأنه الكبير، ورغم ذلك كانت ساحة بيته أشبه بمحكمة”.
اعترض أحدهم صارخًا:
أنت ظالم.
ارتعشت شجرة الكافور العملاقة، وعلت همهمات الاستنكار والمحاباة، وتطوع بعض المتقاضين الذين ينتظرون دورهم، فسحبوه عنوة خارج ساحة البيت، بينما ظل الرجل يصيح:
متى وقف على عرفات؟ من أين له بهذا البيت؟ اسألوا شجرة الكافور عن قبر أمه؟
نفض المتطوعون عن ثيابهم انتفاضة الرجل، وعادوا إلى الساحة مرة أخرى يتملقون الحاج، بينما كانت رياح ملتهبة تهب على وجوههم من دهاليز البيت النائم.
الآنسة فاء
قبّلت جبين أبيها، وتركت أوغاد عائلتها يشيعونه إلى مثواه الأخير، وقبيل مطلع الفجر، نبشت قبره لتسترد قلبها، لكن الليل كان قد وشى بها للأوغاد.
الأستاذ ميم
اجتزت باب مكتبه، ووضعت فنجان قهوتي أمامه.
هممت بالحديث، لكنه أخرج من خزينة قلبه مسبحة ملطخة بالدماء، ثم بصق في فنجاني وفر هاربًا.
حدجت مقعده الفارغ طويلًا، ثم تناولت المسبحة، ورممت بها ما تبقى مني.
في هذه النصوص الثلاثة، يبرهن محمد جميز أن القصة القصيرة ليست بطولها، وإنما بقدرتها على اختزال العالم في مشهد أو جملة أو نهاية صادمة. فكل قصة تترك سؤالًا مفتوحًا أمام القارئ، وتمنحه مساحة للتأويل، ليصبح شريكًا في بناء المعنى، وهي سمة تميز الأدب الجيد الذي يبقى حيًا في الذاكرة حتى بعد انتهاء القراءة.

اقرأ ايضا:




