حين يُساء فهم النصوص… تُظلم المرأة

لا أحد يوافق على ما تتعرض له المرأة العربية من تجاوزات وانتهاكات لحقوقها، ولا يمكن لديننا الإسلامي الحنيف، الذي كرّم المرأة في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ، أن يسمح بضربها أو إهانتها أو إذلالها، مهما كانت الحجج أو محاولات التلاعب بالنصوص أو إخراجها من سياقها الصحيح.

ولا يمكن، ولا يصح، ولا يستقيم أن يكون الله، جلّت قدرته، قد أمر فعلًا ونصًا وشرعًا بإهانة المرأة أو الاعتداء عليها، لمجرد الوقوف عند ظاهر قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، دون النظر إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، أو إلى السنة النبوية الشريفة التي جاءت مفسرةً وشارحةً لكتاب الله عز وجل.

وحسب علمي المتواضع واجتهادي، الذي لا يرتقي إلى علم أساتذتنا الأجلاء في الأزهر الشريف وعلماء الأمة، فإن هذه الآية الكريمة لا ينبغي أن تُفهم على أنها دعوة إلى الاعتداء على المرأة أو الانتقاص من كرامتها، وهي الأم والأخت والابنة والزوجة، التي جعلها الإسلام شريكة للرجل في بناء الأسرة وعمارة الأرض.

فديننا، في جميع نصوصه وتعاليمه، دين رحمة وعدل وإحسان، ولا يمكن أن يتعارض مع حفظ الكرامة الإنسانية. وقد أوضح عدد من كبار العلماء أن الآية الكريمة جاءت في سياق علاج حالة استثنائية هي النشوز، وبعد استنفاد مرحلتين واضحتين هما الوعظ والهجر في المضجع، بما يؤكد أن المقصود هو الإصلاح والحفاظ على الأسرة، لا الإيذاء أو الانتقام.

وفي تفسيره لهذه الآية، بيّن الشيخ محمد متولي الشعراوي أن الضرب الوارد فيها ليس بابًا مفتوحًا للعنف، وإنما هو أمر استثنائي مقيد بقيود شرعية صارمة، فلا يكون مُبرِّحًا، ولا يترك أثرًا، ولا يمس الوجه، ولا يُقصد به الإهانة أو الانتقام، مستشهدًا بهدي النبي ﷺ الذي لم يضرب امرأة قط، وكان خير الناس لأهله.

كما أكد فضيلة الدكتور علي جمعة، في عدد من دروسه وفتاواه، أن الأصل في العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة، وأن الضرب ليس حقًا مطلقًا للرجل، وإنما ورد باعتباره آخر وسائل الإصلاح في حالة استثنائية، مع الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية التي تمنع الإضرار بالمرأة. كما شدد على أن أي تصرف يؤدي إلى الإهانة أو الإيذاء أو العنف الأسري يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية، التي جاءت لحفظ النفس والكرامة واستقرار الأسرة.

ومن ثم، فإن اتخاذ هذه الآية ذريعة لتبرير العنف ضد المرأة أو ممارسة الاعتداء عليها يمثل إساءة لفهم النصوص الشرعية، وابتعادًا عن جوهر الرسالة الإسلامية التي قامت على الرحمة والعدل والإحسان، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقول النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».

وعندما نتناول هذه القضية، فإننا نؤكد حق المرأة الشرعي والإنساني في أن تعيش بكرامة وعزة داخل بيتها، وبين أبنائها، وفي مجتمعها، حتى تتمكن من أداء رسالتها الأسرية والمجتمعية والوطنية، وتسهم في بناء جيل يرفض العنف والإهانة، ويؤمن بقيم الاحترام والكرامة والفضيلة.

وقد أكد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، في مشروعه الإصلاحي، أهمية تمكين المرأة وتعزيز دورها في بناء الهوية الوطنية والإنتاجية، ومشاركتها جنبًا إلى جنب مع الرجل في مختلف مسارات التنمية والإصلاح، وهو ما انعكس على الحضور المتميز للمرأة البحرينية في المجالات السياسية والتنموية خلال العقود الماضية.

كما لا يمكن إغفال ما حققته المرأة في عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية، حيث أصبحت تؤدي أدوارًا وطنية ومجتمعية مشرفة في مختلف المجالات، مؤكدة قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.

ولا يفوتني، في هذه العجالة، أن أوجه دعوة صادقة إلى مفكرينا وعلمائنا ورجال الدين الأجلاء لمواصلة تجديد الخطاب الديني، وإبراز التفسيرات التي تُظهر سماحة الإسلام وعدله، وتؤكد أن المرأة شريك كامل في بناء المجتمع، وأن كرامتها ليست محل خلاف أو انتقاص، بل هي حق أصيل كفله الله سبحانه وتعالى.

فنحن لسنا أقل من غيرنا على خريطة الحضارة والنهضة، بل إن تاريخنا يشهد بأن المرأة كانت، وما زالت، شريكًا للرجل في بناء الأوطان، وصناعة الإنجازات، والدفاع عن الهوية. وستظل كذلك ما دامت قيم العدل والرحمة والكرامة هي الأساس الذي تقوم عليه مجتمعاتنا، بعيدًا عن كل فهم قاصر أو تأويل يسيء إلى ديننا الحنيف قبل أن يسيء إلى المرأة.

وإذا كان الإسلام قد جعل الأسرة لبنة المجتمع الأولى، فإن الحفاظ على كيانها لا يكون بالعنف أو الإهانة، وإنما بالحوار والرحمة والاحترام المتبادل، وهي المبادئ التي أرساها القرآن الكريم، وجسدها النبي ﷺ في سيرته وتعاملاته مع أمهات المؤمنين وسائر نساء المسلمين، ليبقى النموذج النبوي هو القدوة الحقيقية لكل من أراد أن يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا، بعيدًا عن الغلو وسوء التأويل.

نعمات مدحت: كاتبة صحفية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى