سوق السبت في أم عجرم.. حكايات البيع والشراء ومساومات السيدات على «آخر سعر»

في قرية أم عجرم التابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، لا يأتي يوم السبت مثل بقية أيام الأسبوع، فمنذ الساعات الأولى للصباح تبدأ الحركة في المنطقة المحيطة بسوق السبت، حيث تتجمع البضائع، ويصل الباعة من أماكن مختلفة، بينما تتحرك السيدات بين الفرشات والأكشاك بحثا عن احتياجات البيت، وكل واحدة منهن تحمل في ذهنها قائمة طويلة من المشتريات، وفي جيبها ميزانية محددة لا تريد تجاوزها.

وتشير البيانات المتاحة إلى وجود «شارع سوق السبت» في أم عجرم بفاقوس، كما تظهر بيانات الخرائط سوق السبت في نطاق فاقوس باعتباره سوقا للمنتجات الزراعية، وهو ما يعكس طبيعة السوق المرتبطة بالحركة التجارية الأسبوعية في المنطقة.

لكن سوق السبت ليس مجرد مكان لشراء السلع، هنا تتحول عملية البيع والشراء إلى مشهد اجتماعي متكامل؛ أصوات الباعة تتداخل مع أصوات المشترين، ونداءات أصحاب الفرشات تتقاطع مع أسئلة السيدات عن السعر والجودة، بينما تبدأ معركة صغيرة يعرفها كل من اعتاد ارتياد الأسواق الشعبية: «هات آخر كلام عندك».

من أول خطوة داخل السوق، يشعر الزائر أنه دخل عالما له إيقاعه الخاص، البضاعة معروضة أمام المارة، وكل بائع يحاول جذب الزبون بطريقته، واحد يرفع صوته معلنا عن بضاعته، وآخر يحاول إقناع المارة بأن ما لديه أفضل من المعروض لدى الآخرين، بينما يكتفي البعض بانتظار الزبون الذي يقترب، يفحص البضاعة، ثم يبدأ السؤال التقليدي: «بكام؟».

«كام آخرها؟».. المساومة تبدأ قبل الشراء

السيدات في سوق السبت لا يدخلن عملية الشراء بلا حسابات. قبل أن تمد إحداهن يدها لاختيار ما تريد، تبدأ في تفحص السلعة، ثم تسأل عن السعر، وبعدها تأتي الجملة التي تكاد تكون جزءا ثابتا من قاموس الأسواق الشعبية: «طب وآخرها كام؟».

تتكرر المساومة أكثر من مرة، وقد تبدأ بسعر يعلنه البائع، ثم ترد السيدة بسعر أقل، فيرفض البائع، فتعود مرة أخرى بعرض جديد. «طب عشان خاطري، أنا هاخد منك كذا حاجة». يرد البائع: «والله السعر ده آخر حاجة عندي»، فتبتعد السيدة خطوات قليلة، وكأنها أنهت عملية الشراء، ثم تعود بعد لحظات لتقول: «خلاص هاته».

هذه التفاصيل الصغيرة هي واحدة من أهم ملامح سوق السبت؛ فالشراء هنا ليس مجرد دفع أموال والحصول على سلعة، وإنما تفاوض مستمر يحاول فيه كل طرف الوصول إلى السعر الذي يراه مناسبا.

ميزانية البيت حاضرة في كل خطوة

وبين فرشة وأخرى، تبدو حسابات البيت حاضرة بقوة. السيدة التي خرجت من منزلها بقائمة مشتريات محددة تعرف أن أي زيادة بسيطة في سعر سلعة قد تضطرها إلى الاستغناء عن سلعة أخرى، «أنا نازلة أجيب حاجات البيت بس، ولازم أحسبها واحدة واحدة».

جملة تلخص حال كثير من المتسوقين في الأسواق الشعبية، حيث أصبح السعر عاملا أساسيا في قرار الشراء، إلى جانب الجودة والكمية.

وتظل المقارنة حاضرة طوال الوقت. قد تسأل السيدة عن السعر عند أكثر من بائع قبل أن تقرر، وقد تعود إلى الفرشة الأولى بعدما اكتشفت أن السعر أو الجودة أفضل مما وجدته في مكان آخر.

البائع أيضا لديه حساباته

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو عملية البيع سهلة بالنسبة للبائع. فهو يقف لساعات طويلة منتظرا الزبائن، ويحاول تصريف بضاعته، وفي الوقت نفسه يحافظ على هامش ربح يسمح له بالاستمرار.

«الزبون عايز أرخص سعر، وإحنا كمان عندنا مصاريف وبنشتري البضاعة بفلوس».

هذه المعادلة تحكم العلاقة بين البائع والمشتري. الزبون يريد تخفيض السعر، والبائع يريد بيع أكبر كمية ممكنة، وبين الاثنين تبدأ المساومة.

وفي الأسواق الأسبوعية، يكون نجاح البائع مرتبطا بقدرته على جذب الزبون أولا، ثم إقناعه بجودة ما يبيع، وأخيرا الوصول إلى سعر يرضي الطرفين.

السوق ليس للبيع فقط

ورغم أن الهدف الأساسي من سوق السبت هو البيع والشراء، فإن المكان يتحول أيضا إلى مساحة للقاء الأهالي وتبادل الأخبار. سيدات يتقابلن بالمصادفة، وأخريات يتوقفن للحظات للحديث عن الأسرة والأسعار وأحوال المعيشة، بينما يتبادل الباعة الحديث فيما بينهم خلال فترات هدوء حركة البيع.

وهنا يصبح السوق جزءا من الحياة اليومية لأهالي المنطقة، وليس مجرد مكان مؤقت تظهر فيه البضائع ثم تختفي.

فالسوق الأسبوعي له طقوسه الخاصة؛ موعد معروف، ووجوه اعتاد الناس رؤيتها، وباعة يعرفهم الزبائن، ومشترون يعرفون من أين يشترون، ومن يمكن أن يقدم لهم سعرا أفضل.

«مش هنمشي غير لما نخلص»

مع اقتراب ساعات الظهيرة، تتواصل حركة البيع والشراء. بعض السيدات يواصلن البحث عن احتياجاتهن، بينما يبدأ آخرون في جمع مشترياتهم استعدادا للعودة إلى المنزل، وقد يكون المشهد الأكثر لفتا للنظر هو إصرار بعض المتسوقين على المرور على أكثر من فرشة قبل اتخاذ القرار.

«لسه هنلف شوية، يمكن نلاقي أرخص».

الجملة تبدو بسيطة، لكنها تختصر فلسفة الشراء في السوق الشعبي: المقارنة أولا، ثم المساومة، ثم القرار.

وفي النهاية، يغادر كل شخص السوق بما استطاع شراءه، بينما يبقى البائع أمام بضاعته، منتظرا زبونا جديدا، أو جولة جديدة من المفاوضات.

سوق السبت.. مرآة للحياة اليومية

ما يجري في سوق السبت بأم عجرم يتجاوز فكرة البيع والشراء. فهو مشهد صغير من حياة الريف المصري؛ فيه البائع الذي يبحث عن رزقه، والسيدة التي تحاول تدبير ميزانية بيتها، والشاب الذي يساعد أسرته، وكبار السن الذين يعرفون السوق منذ سنوات، والأطفال الذين يرافقون أمهاتهم في جولة التسوق.

وهنا تظهر قيمة الأسواق الشعبية والأسبوعية باعتبارها جزءا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية. فالناس لا يذهبون إليها فقط للحصول على احتياجاتهم، وإنما يذهبون أيضا للقاء بعضهم البعض، والسؤال عن الأسعار، ومتابعة حركة البيع، وتبادل الأخبار.

وفي سوق السبت، قد تبدأ الحكاية بسؤال بسيط: «بكام؟»، لكنها غالبا لا تنتهي عند دفع ثمن السلعة. خلف كل عملية شراء حكاية عن ميزانية، وخلف كل مساومة حسابات، وخلف كل بائع قصة بحث عن الرزق.

وهكذا يظل سوق السبت في أم عجرم واحدا من المشاهد الشعبية التي تكشف تفاصيل الحياة كما هي؛ بلا زينة ولا عبارات كبيرة، فقط ناس يتحركون، وباعة ينادون، وسيدات يساومن، وأسر تحاول أن تحصل على احتياجاتها بأفضل سعر ممكن.

اقرأ ايضا:

خطوات استخراج رخصة محل إلكترونيًا عبر منصة مصر الرقمية.. الأوراق والشروط وطريقة التقديم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى