عيد الجلاء في مصر.. قصة رحيل الاحتلال البريطاني وأهمية ذكرى 18 يونيو في التاريخ المصري

من المناسبات الوطنية التي لها ذكرى خالدة في المجتمع المصري عيد الجلاء، حيث يُعد عيد الجلاء واحدًا من أهم المناسبات الوطنية في التاريخ المصري الحديث، إذ يخلد ذكرى رحيل آخر جندي بريطاني عن الأراضي المصرية في 18 يونيو عام 1956، بعد احتلال استمر أكثر من سبعين عامًا.

وتحمل هذه المناسبة معاني كبيرة لدى المصريين، كونها تمثل تتويجًا لنضال طويل خاضه الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني، وواحدة من أبرز المحطات التي أكدت استعادة مصر لسيادتها الكاملة على أراضيها وقرارها الوطني المستقل.

ومع حلول ذكرى الجلاء من كل عام، يستعيد المصريون صفحات مضيئة من تاريخ الكفاح الوطني، ويتذكرون التضحيات التي قدمها أبناء الوطن من أجل الحرية والاستقلال.

متى بدأ الاحتلال البريطاني لمصر؟

بدأ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 عقب التدخل العسكري البريطاني بعد الثورة العرابية بقيادة الزعيم أحمد عرابي، وورغم أن بريطانيا أعلنت في عام 1922 إنهاء الحماية البريطانية ومنح مصر استقلالًا شكليًا، فإن القوات البريطانية ظلت متمركزة داخل الأراضي المصرية، خاصة في منطقة قناة السويس، وظلت تتحكم في العديد من الملفات السياسية والعسكرية المهمة، وخلال العقود التالية تصاعدت المطالب الشعبية بضرورة الجلاء الكامل وإنهاء الوجود البريطاني نهائيًا.

المقاومة الشعبية وتمهيد الطريق للجلاء

شهدت مصر على مدار عقود طويلة موجات متتالية من المقاومة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وكانت ثورة 1919 بقيادة الزعيم سعد زغلول واحدة من أهم محطات النضال الوطني، حيث خرج المصريون في مختلف المحافظات مطالبين بالاستقلال.

كما شهدت منطقة القناة خلال الخمسينيات عمليات فدائية بطولية نفذها رجال المقاومة الشعبية ضد المعسكرات البريطانية، وهو ما زاد من الضغوط السياسية والعسكرية على بريطانيا.

وجاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتمنح قضية الجلاء دفعة قوية، حيث جعلت القيادة المصرية الجديدة إنهاء الاحتلال البريطاني أولوية وطنية.

اتفاقية الجلاء عام 1954

في 19 أكتوبر 1954 وقعت مصر وبريطانيا اتفاقية الجلاء، التي نصت على انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس خلال فترة زمنية محددة.

واعتبرت الاتفاقية آنذاك إنجازًا سياسيًا كبيرًا، إذ وضعت للمرة الأولى جدولًا زمنيًا واضحًا لإنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر، وبدأت القوات البريطانية بالفعل تنفيذ مراحل الانسحاب تدريجيًا، حتى اكتملت عملية الجلاء بالكامل في يونيو 1956.

18 يونيو 1956.. رحيل آخر جندي بريطاني

في يوم 18 يونيو 1956 غادر آخر جندي بريطاني الأراضي المصرية، لتنتهي رسميًا حقبة الاحتلال التي استمرت منذ عام 1882، ورُفع العلم المصري فوق آخر قاعدة بريطانية في منطقة قناة السويس، وسط احتفالات شعبية واسعة اعتبرت الحدث انتصارًا تاريخيًا للإرادة الوطنية، ومنذ ذلك التاريخ أصبح يوم 18 يونيو يُعرف باسم عيد الجلاء تخليدًا لهذه المناسبة الوطنية المهمة.

جمال عبد الناصر وعيد الجلاء

ارتبط عيد الجلاء ارتباطًا وثيقًا باسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي قاد المفاوضات السياسية لإنهاء الوجود البريطاني، واعتبر الجلاء أحد أبرز إنجازات الدولة المصرية في تلك المرحلة، كما شكل الجلاء تمهيدًا لقرار تأميم قناة السويس في يوليو 1956، وهو القرار الذي عزز السيادة المصرية على واحد من أهم الممرات المائية في العالم.

ويرى مؤرخون أن الجلاء كان نقطة تحول فارقة في تاريخ مصر الحديث، حيث نقل البلاد من مرحلة النفوذ الأجنبي إلى مرحلة الاستقلال الكامل.

لماذا يمثل عيد الجلاء أهمية خاصة للمصريين؟

تكمن أهمية عيد الجلاء في أنه لم يكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل كان رمزًا لانتصار الإرادة الشعبية المصرية بعد سنوات طويلة من النضال، كما يمثل تذكيرًا للأجيال الجديدة بقيمة الاستقلال الوطني وأهمية الحفاظ على مكتسبات الوطن.

وتحرص المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في مصر على إحياء هذه الذكرى سنويًا من خلال الندوات والفعاليات والبرامج الوثائقية التي تستعرض تاريخ الكفاح الوطني ضد الاحتلال.

الفرق بين عيد الجلاء وعيد تحرير سيناء

يخلط البعض بين المناسبتين، إلا أن لكل منهما دلالته التاريخية الخاصة، فـ عيد الجلاء يُحتفل به في 18 يونيو من كل عام، ويخلد خروج القوات البريطانية من مصر عام 1956، وأما عيد تحرير سيناء فيُحتفل به في 25 أبريل من كل عام، ويحيي ذكرى استرداد أرض سيناء بعد الانسحاب الإسرائيلي منها عام 1982، بينما وكلا المناسبتين تمثلان محطات مضيئة في سجل النضال الوطني المصري.

عيد الجلاء.. درس في قوة الإرادة الوطنية

وبعد مرور سبعة عقود تقريبًا على جلاء القوات البريطانية، ما زال هذا اليوم حاضرًا بقوة في الذاكرة الوطنية المصرية، باعتباره رمزًا للاستقلال والسيادة واسترداد الكرامة الوطنية.

ويظل عيد الجلاء شاهدًا على قدرة الشعوب على انتزاع حقوقها مهما طال الزمن، كما يبقى محطة مهمة لفهم تاريخ مصر الحديث والتضحيات التي قدمها أبناؤها من أجل بناء دولة مستقلة تمتلك قرارها الوطني وسيادتها الكاملة على أرضها.

اقرأ ايضا:

متي تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى