مأمون الشناوي.. حكاية شاعر صنع مجد الأغنية العربية وترك 427 عملًا لا تزال تنبض بالحياة

لم يكن الشاعر مأمون الشناوي مجرد كاتب كلمات أغنيات ناجحة، بل كان أحد أهم الذين أعادوا تشكيل وجدان المستمع العربي في القرن العشرين. فعلى امتداد ما يقرب من خمسة عقود، كتب للحب كما لم يكتبه أحد، وصاغ مشاعر الناس بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد، حتى أصبحت كلماته جزءًا من الذاكرة الفنية العربية.

وفي ذكرى رحيله في الـ 27 من يونيو، يبقى اسمه حاضرًا بوصفه شاعرًا صنع مدرسة كاملة في كتابة الأغنية، وترك وراءه أكثر من 427 أغنية لكبار نجوم الطرب، فيما تشير بعض المصادر إلى أن رصيده من النصوص الغنائية والقصائد والأعمال يتجاوز ذلك عند احتساب الأعمال غير المتداولة.

مأمون الشناوي من المنصورة إلى صاحبة الجلالة

ولد مأمون الشناوي عام 1914، ونشأ في أسرة عرفت بالثقافة والأدب، فهو شقيق الشاعر الكبير كامل الشناوي، وعم الناقد الفني طارق الشناوي. تلقى تعليمه الجامعي ثم اتجه إلى الصحافة، فعمل في روز اليوسف وهو لا يزال طالبًا، قبل أن ينتقل إلى آخر ساعة، ثم يشارك في تأسيس أخبار اليوم، ويكتب لاحقًا في الجمهورية بابه الشهير “جراح القلوب”، كما أصدر مجلة كلمة ونص التي عُرفت بأسلوبها الصحفي المختلف.

غير أن الصحافة لم تستطع أن تحتفظ به طويلًا؛ فقد انتصر الشعر على الصحفي، وبدأت رحلة واحدة من أهم تجارب الشعر الغنائي في العالم العربي.

كيف أصبح مأمون الشناوي شاعر السهل الممتنع؟

يرى نقاد كثيرون أن سر خلود مأمون الشناوي يكمن في قدرته على كتابة اللغة اليومية في قالب شعري رفيع، لم يكن يلجأ إلى الغرابة أو التعقيد، لكنه كان يصنع من الكلمات البسيطة صورًا عاطفية تبقى في الذاكرة لعقود.

ولهذا وصفه كثيرون بأنه أحد رواد مدرسة السهل الممتنع، وهي المدرسة التي تجمع بين البساطة والعمق، حتى تبدو الأغنية سهلة الحفظ، لكنها عصية على التقليد.

ماذا كتب مأمون الشناوي لأم كلثوم؟

وتعاون مع مجموعة ضخمة من المطربين والملحنين أهمهم بعد الموسيقار محمد عبدالوهاب الذى قدم معه حوالى 40 أغنية،  كما قدم مأمون الشناوي مع فريد الأطرش  حوالى 40 أغنية أيضًا أهمها “أغنية الربيع “و”بنادى عليك “و”أول همسة “كما قدم مع محمد فوزى نفس هذا العدد من الأغانى.

ورغم أن أم كلثوم غنت لعشرات الشعراء، فإن ما كتبه لها مأمون الشناوي ظل من أكثر محطات مسيرتها تأثيرًا، كتب لها أربع روائع أصبحت علامات في تاريخ الغناء العربي: أنساك (1961)، كل ليلة وكل يوم (1964)، بعيد عنك (1965)، ودارت الأيام (1970)

وقد لحّن بليغ حمدي ثلاثًا منها، بينما حملت ودارت الأيام توقيع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، لتصبح واحدة من أهم كلاسيكيات الغناء العربي.

قصة أغنية “بعيد عنك”

من أكثر القصص تداولًا في تاريخ الأغنية العربية أن “بعيد عنك” لم تكن مكتوبة أصلًا لأم كلثوم، فبحسب ما رواه الناقد طارق الشناوي، كانت الأغنية مرشحة في البداية للمطربة نجاة الصغيرة، وقد لحنها بليغ حمدي بالفعل، لكن نجاة طلبت إدخال تعديلات على الكلمات، وهو ما رفضه مأمون الشناوي وبليغ حمدي، لتنتقل الأغنية بعد ذلك إلى أم كلثوم، التي غنتها كما هي، لتصبح واحدة من أشهر أغانيها على الإطلاق.

عبد الحليم حافظ.. علاقة صنعت أجمل أغاني الحب

لم يكن نجاح مأمون الشناوي مع أم كلثوم استثناءً، فقد كتب أيضًا لعبد الحليم حافظ مجموعة من أشهر أغنياته، منها: أهواك، أنا لك على طول، بعد إيه، خايف مرة أحب، صدفة، كفاية نورك عليا، نعم يا حبيبي نعم، في يوم من الأيام، عشانك يا قمر، حلفني.

وقد تميزت هذه الأغنيات بأنها نقلت الأغنية العاطفية المصرية إلى مستوى جديد من التعبير، بعيدًا عن المبالغة اللفظية، مع الاحتفاظ بالشاعرية الرفيعة.

مع عبد الوهاب وفريد الأطرش

كانت بداية مأمون الشناوي الحقيقية مع محمد عبد الوهاب، الذي أعجب بموهبته مبكرًا، وقدم معه عددًا من الأغنيات الشهيرة مثل: “كل ده كان ليه”، و”على بالي”، و”آه منك يا جارحني”، و”ردي عليا”.

كما كتب لفريد الأطرش روائع مثل: “الربيع”، و”حبيب العمر”، و”أول همسة”، و”حكاية غرامي”، و”بنادي عليك”.

وكشف مأمون الشناوي في مذكراته أن بليغ حمدي كان كثيرًا ما يلجأ إليه لاختيار الكلمات التي تناسب الأصوات الجديدة، ومن ذلك طلبه أن يكتب للمطربة السورية فايزة أحمد أغنيتي «قلبي سألني عليك» ثم «تهجرني بحكاية»، وهو ما فتح باب تعاون طويل مع فايزة، مؤكدًا أن بليغ كان يمتلك حسًا استثنائيًا في اكتشاف الأصوات واختيار النصوص الملائمة لها.

وقد ظل الشناوي يرى أن عبد الوهاب وبليغ يمثلان مدرستين مختلفتين في التلحين؛ الأول يزن الكلمة بميزان الموسيقى، والثاني يمنحها روحًا شعبية متجددة، ولذلك جاءت أعماله مع كل منهما مختلفة في اللون، لكنها متساوية في القيمة الفنية.

شاعر آمن بالمواهب الجديدة

لم يكتف مأمون الشناوي بالكتابة للنجوم الكبار، بل كان من أكثر الشعراء دعمًا للمواهب الجديدة، كتب للمطرب هاني شاكر في بداياته، كما تعاون مع أحمد عدوية، وكتب لعزيزة جلال أغنيتها الشهيرة “بتخاصمني حبة وتصالحني حبة”، في وقت كان كثيرون يتحفظون على التعاون مع الأصوات الجديدة، وهو ما يعكس انفتاحه الفني وإيمانه بأن الموهبة وحدها هي معيار النجاح.

ماذا قال النقاد عنه؟

يرى الناقد طارق الشناوي أن عمه لم يكن يكتب الأغنية بوصفها كلمات تُغنى فقط، بل كان يكتب مشهدًا دراميًا كاملًا، وهو ما يفسر استمرار أغنياته حتى اليوم، بينما أكد عدد من النقاد أن مأمون الشناوي كان من أكثر شعراء الأغنية قدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى إحساس إنساني عام يصل إلى كل المستمعين.

خلافاته مع المطربين دفاعًا عن حقوق المؤلفين

وبحسب ما ورد في مذكرات مأمون الشناوي وآخر حوار له الذي نشرته الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو): ولم يكن مأمون الشناوي شاعرًا يكتفي بكتابة الأغنيات، بل كان من أبرز المدافعين عن حقوق المؤلفين والملحنين في مصر، ففي أوائل ستينيات القرن الماضي دخل في خلاف شهير داخل جمعية المؤلفين والملحنين مع كل من الموسيقار محمد عبد الوهاب والمطرب عبد الحليم حافظ، بعدما تمسك بحقوق المبدعين المالية، مؤيدًا منح المؤلف والملحن نسبة 4% من حقوق طباعة المصنفات الغنائية، بينما عارض عبد الوهاب وعبد الحليم هذا المقترح في ذلك الوقت.

وقد اعترف الشناوي في آخر حوار صحفي قبل وفاته بأن هذا الخلاف ترك أثرًا في علاقته الفنية بعبد الحليم، فتوقفت بينهما الشراكة الإبداعية بعد أغنية «بعد إيه»، رغم استمرار العلاقة الإنسانية والودية بينهما.

أما خلافه مع عبد الوهاب، فلم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما زالت الخلافات، وعاد التعاون بينهما من جديد، فكتب له لاحقًا أغنية «آه منك يا جارحني»، وظلت الصداقة تجمعهما حتى نهاية المشوار. وتعكس هذه الواقعة جانبًا مهمًا من شخصية مأمون الشناوي، الذي لم يتردد في خوض معارك مهنية دفاعًا عن حقوق المبدعين، حتى لو كان ذلك على حساب علاقاته الفنية مع كبار نجوم عصره.

إرث لا يغيب

رحل مأمون الشناوي في 26 يونيو 1994، لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره. فما زالت أغنياته تُبث يوميًا، وتُعاد دراستها باعتبارها نموذجًا للأغنية العربية الكلاسيكية التي جمعت بين الشعر والموسيقى والصدق الإنساني.

وبين “أنساك”، و”بعيد عنك”، و”ودارت الأيام”، و”أهواك”، ترك مأمون الشناوي إرثًا يصعب تجاوزه، وأثبت أن الكلمة الجميلة قادرة على أن تعيش أكثر من أصحابها، وأن الشاعر الحقيقي لا يرحل ما دامت قصائده تنبض في وجدان الناس.

أقرأ ايضا:

في ذكرى رحيله.. رؤوف عباس حامد.. المؤرخ الذي أعاد كتابة التاريخ من قلب الناس لا من قصور السلاطين

في ذكرى رحيله.. محمد مستجاب أخر الحكّائين الكبار الذي حوّل الصعيد إلى أسطورة أدبية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى