“صخب العقيدة وهمس القلوب” قراءة نقدية: بهاء الصالحي

حين نتعرض للرواية التاريخية، نكون أمام سؤال جوهري: هل نحن بصدد إعادة شرح مبسط للتاريخ، أم أمام إعادة إنتاج للرواية التاريخية من منظور معاصر، يلامس أسئلة الحاضر وهمومه؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة رواية «الجنة المحرمة» للروائي محمد صالح رجب، التي تستدعي واحدة من أكثر مراحل التاريخ الفاطمي التباسًا وتعقيدًا، وهي مرحلة الحاكم بأمر الله، لتعيد بناءها سرديًا، لا بوصفها ماضيًا مغلقًا، وإنما باعتبارها مساحة للتأمل في السلطة والدين والمرأة والعاطفة والدولة والجماعات المؤثرة في صناعة القرار.
الرواية، بهذا المعنى، لا تستدعي التاريخ لذاته، وإنما تستخدمه مرآة للحاضر.
الحاكم بأمر الله.. صناعة الطاغية وأزمة السلطة
من أبرز الأسئلة التي تطرحها الرواية: كيف يُصنع الطاغية؟
يصر الكاتب على استخدام صيغة «الحاكم بأمره» في بعض المواضع، بما تحمل من دلالة تتجاوز الاسم التاريخي «الحاكم بأمر الله»، وكأن السرد يريد أن يضع الشخصية أمام سؤال السلطة المطلقة.
ويستدعي الكاتب كذلك صورة الفرعون، فيظهر الحاكم مرتديًا زيًا فرعونيًا في خلوته بجبل المقطم، لتلتقي في الشخصية صورتان: الحاكم الذي يستمد شرعيته من المقدس، والسلطة التي تتحول تدريجيًا إلى مركز مغلق لا يقبل المراجعة.
غير أن الرواية، رغم اقترابها من هذه المنطقة، لم تمنح الأزمة النفسية للحاكم المساحة الكافية. فالحاكم تولى السلطة وهو في الخامسة عشرة من عمره، أي في مرحلة مبكرة جدًا من تكوين الشخصية الإنسانية.
كان يمكن للغوص أكثر في عالمه الداخلي، وفي أزمة الدور التي عاشها صبي وجد نفسه فجأة فوق عرش دولة، أن يمنح الشخصية عمقًا تراجيديًا أكبر.
وتأتي جملة الحاكم بعد قتل برجوان: «لقد صار الوزر شيئًا عظيمًا»، لتفتح بابًا بالغ الأهمية حول أزمة الذات؛ إذ كان برجوان يطلق على الحاكم لقب «الوزر»، وهو لقب يرتبط بالبرص الصغير، بما يحمله ذلك من أثر نفسي محتمل في شخصية حاكم شديد الحساسية تجاه صورته ومكانته.
ست الملك.. المرأة التي دفعت ثمن الدولة
إذا كان الحاكم يمثل أزمة السلطة، فإن ست الملك تمثل في الرواية أزمة الإنسان حين يتحول الواجب إلى قدر.
تظهر ست الملك باعتبارها امرأة ضحت برغباتها الإنسانية في سبيل الحفاظ على بنية الدولة الفاطمية، خصوصًا أنها مارست دور الوصاية على الحاكم بأمر الله، ثم على ابنه الظاهر بأمر الله، وكان كلاهما صغير السن عند توليه الحكم.
ومن هنا تتحول شخصية ست الملك إلى إعادة اكتشاف لدور المرأة في صناعة التاريخ؛ فهي ليست مجرد امرأة تقف خلف رجل، وإنما شخصية سياسية تمتلك القدرة على التأثير وصناعة القرار وحماية الدولة.
لكن الرواية تطرح سؤالًا أكثر قسوة: ماذا لو أنصفنا ست الملك؟
ماذا لو قرأنا حياتها بعيدًا عن كتب التاريخ التي تختصر النساء غالبًا في علاقتهم بالحكام، وقرأناها بوصفها إنسانة لها رغباتها وخوفها ووحدتها واحتياجاتها العاطفية؟
ميلاد وبدور.. الدين في مواجهة الإنسان
من أكثر المساحات إثارة للتأمل في الرواية شخصيتا ميلاد وبدور، وهما شخصيتان مسيحيتان وظفهما الكاتب داخل البناء الدرامي بوصفهما ممثلين لمساحة إنسانية تتجاوز الانقسام الديني.
وتأتي علاقة ملاك وبدور بست الملك لتطرح سؤالًا حول الصورة الذهنية للتعايش الديني في مصر الفاطمية، وحول الفارق بين الدين بوصفه عقيدة، والدين حين يتحول إلى أداة للمنع والتقسيم.
ويرفض ملاك قتل الحاكم، ثم يهرب مع بدور ولا يُعثر عليهما، بينما تتكرر داخل الرواية إشارات تجعل العلاقة بين الشخصيات مساحة للحوار بين صخب العقيدة وهمس القلب.
ومن اللافت أن الرواية تجعل اكتشاف حقيقة بدور المسيحية لحظة كاشفة لست الملك، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الحواجز التي يصنعها البشر بين بعضهم قد تكون أضعف من الروابط الإنسانية نفسها.
وتتأكد هذه الدلالة في شخصية درة، والدة ست الملك، التي تدفع بابنتها نحو علاقة إنسانية تتجاوز الحدود المذهبية، فيتحول التسامح من فكرة مجردة إلى سلوك وموقف.
الجنة المحرمة.. دلالة العنوان
العنوان نفسه يبدو مفتاحًا أساسيًا لقراءة الرواية.
«الجنة المحرمة» تستدعي جنة آدم، والرغبة الإنسانية في الخلود، والخطأ الأول الذي ارتبط بالرغبة في تجاوز حدود المسموح.
ومن هنا يصبح التحريم ليس مجرد قانون ديني، وإنما حالة إنسانية تتقاطع فيها الرغبة مع السلطة والخوف والموت.
فالإنسان محاط منذ البداية بإغراءات الفناء، والخطأ جزء من التجربة الإنسانية، وربما كان الخطأ نفسه طريقًا إلى اكتشاف المعرفة.
وعلى هذا المستوى، يمكن قراءة الرواية باعتبارها بحثًا عن الجنة التي يريد الإنسان امتلاكها، لكنه يكتشف في النهاية أن امتلاكها قد يكون هو طريق فقدانها.
الدولة الدينية.. السؤال الذي يختبئ خلف التاريخ
يبدو أن استدعاء المرحلة الفاطمية لم يكن بريئًا من أسئلة الحاضر.
فالرواية تستعيد صراع المذاهب، وصراع المغاربة والمشارقة، ومؤامرات القصور، ودور جماعات النفوذ، وعلاقة المال بالسلطة، لتطرح سؤالًا معاصرًا حول شرعية الدولة الدينية وقدرتها على التواصل مع الإنسان.
ومن هنا يصبح التاريخ وسيلة لإزاحة الواقع؛ فالكاتب يستطيع أن يقول عبر الماضي ما يصعب قوله مباشرة عن الحاضر.
وتزداد هذه الدلالة وضوحًا مع الإشارات إلى إيران والصراع المذهبي، وما أنتجته الدولة الدينية الحديثة من أسئلة حول العلاقة بين السلطة والمقدس والإنسان.
المغاربة والمشارقة.. دولة تتآكل من الداخل
تستدعي الرواية كذلك الصراع بين المغاربة والمشارقة داخل الدولة الفاطمية، وهو صراع لم يكن مجرد خلاف عرقي، وإنما كان جزءًا من صراع أوسع حول النفوذ ومراكز القوة.
وهنا يبرز السؤال: كيف تتحول الدولة إلى ساحة تتصارع فيها الجماعات بدلًا من أن تكون إطارًا يجمعها؟
الرواية تستثمر هذا التاريخ لتقدم صورة للدولة الهشة، حين تتوزع مراكز القوة بين جماعات ضغط ذات مصالح مختلفة، فتضعف الدولة المركزية، ويصبح القرار رهينًا بتوازنات القصر والنفوذ والمال والأيديولوجيا.
ست الملك.. بين الواجب والعاطفة
ربما تكون ست الملك هي العقدة الدرامية الحقيقية في «الجنة المحرمة».
امرأة تقف بين عالمين: عالم السلطة الذي يطالبها بالصرامة، وعالمها الإنساني الذي يبحث عن الحب والأسرة والدفء.
ولهذا تبدو شخصيتها جافة عاطفيًا في بعض المواضع، وهو أمر يمكن قراءته باعتباره نتيجة طبيعية لتغليب الواجب على الرغبة.
لكن السؤال يظل قائمًا: لماذا لم تمنح الرواية ست الملك مساحة أكبر للحب الإنساني؟ ولماذا لم يكن لها رجل من عالمها الخاص؟
ربما كان هذا الجانب تحديدًا قادرًا على زيادة التوتر الدرامي بين المرأة التي تحرس الدولة، والإنسانة التي تبحث عن نفسها.
التاريخ أم الحاضر؟
تصل الرواية في نهايتها إلى منطقة شديدة الدلالة، حين يتردد صوت قارئ القرآن بآيات «إنهم ألفوا آباءهم ضالين»، فتقشعر ست الملك، وكأنها أمام لحظة مراجعة داخلية.
وتبدو النهاية امتدادًا للبداية؛ تبدأ الرواية بست الملك وتنتهي بها، وكأن الكاتب يعيد الشخصية إلى سؤالها الأول: أين يقف الحق؟
وهنا يصبح اليقين نفسه موضوعًا للرواية.
فست الملك، التي عاشت وسط السلطة والمذهب والصراع والدم، تصل إلى لحظة لا تستطيع فيها الفصل بسهولة بين ما ورثته وما اختارته، وبين ما قيل لها وما رأته بعينيها.
الرواية التاريخية.. حرية الخيال وحدود الحقيقة
السؤال الأهم الذي تطرحه «الجنة المحرمة» يتعلق بحدود الرواية التاريخية نفسها.
هل يجب على الروائي أن يلتزم بكل التفاصيل التي وردت في كتب التاريخ؟
الإجابة تبدو واضحة: الرواية ليست كتاب تاريخ.
إنها إعادة إنتاج للحكاية التاريخية من خلال رؤية معاصرة، وشخصيات تخييلية، وحوار ودراما وتأويل.
لكن هذا لا يعني أن الكاتب يستطيع تجاهل التاريخ تمامًا؛ فكلما ابتعد عن الوثيقة، احتاج إلى أن يكون أكثر وضوحًا في توظيف الخيال، حتى لا تختلط الحقيقة التاريخية بالرؤية الروائية.
وهنا تكمن أهمية «الجنة المحرمة»: ليست في أنها تعيد سرد المرحلة الفاطمية كما حدثت، وإنما في أنها تسأل لماذا نعود إلى هذه المرحلة الآن؟
والإجابة ربما تكمن في أن التاريخ، حين يستدعى في لحظة مأزومة، لا يأتي وحده؛ يأتي محملًا بأسئلة الحاضر.
خاتمة.. عندما يصبح التاريخ سؤالًا للحاضر
في النهاية، تبدو «الجنة المحرمة» محاولة لقراءة مرحلة تاريخية شديدة الالتباس من خلال الإنسان لا من خلال الحاكم وحده.
الحاكم بأمر الله هو السلطة حين تفقد توازنها، وست الملك هي المرأة حين يصبح الواجب أقوى من القلب، وملاك وبدور هما الإنسان حين يتجاوز الحواجز التي يصنعها الانتماء، أما الدولة فهي الكيان الذي يمكن أن ينهار حين تتصارع داخله الجماعات على امتلاك الحقيقة.
وربما لهذا فإن السؤال الذي يظل معلقًا بعد نهاية الرواية ليس: ماذا حدث في العصر الفاطمي؟
وإنما:
ماذا يحدث للإنسان حين يصبح الدين سلطة، وتصبح السلطة يقينًا، ويصبح الاختلاف جريمة؟
هنا تحديدًا تنجح الرواية التاريخية في أداء دورها التنويري؛ حين تجعل الماضي لا ينتهي عند آخر صفحة، وإنما يعود إلينا في صورة سؤال.





