ثقافة

في ذكرى رحيلها الـ12.. فتحية العسال.. طفلة حُرمت من التعليم فصارت أيقونة الأدب النسوي وصوت المرأة المصرية

في الخامس عشر من يونيو من كل عام، تتجدد ذكرى رحيل واحدة من أهم الكاتبات المصريات والعربيات في القرن العشرين، الكاتبة والمناضلة النسوية فتحية العسال، التي لم تكن مجرد مؤلفة أو روائية، بل كانت حالة إنسانية وفكرية استثنائية، استطاعت أن تحول معاناتها الشخصية إلى مشروع أدبي ونضالي امتد لأكثر من نصف قرن.

ورحلت فتحية العسال في 15 يونيو 2014، لكن اسمها ظل حاضرًا بقوة في الذاكرة الثقافية المصرية، باعتبارها واحدة من أكثر الكاتبات دفاعًا عن المرأة والفقراء والمهمشين، وواحدة من أبرز الأصوات التي واجهت التقاليد الظالمة والسجون والقهر الاجتماعي بالكلمة والموقف.

ولعل المفارقة الأبرز في حياتها أن المرأة التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم كاتبات الدراما في مصر، لم تدخل مدرسة يومًا، وحُرمت من التعليم في طفولتها، لكنها انتصرت على الواقع، وعلّمت نفسها بنفسها حتى أصبحت صاحبة عشرات الأعمال الأدبية والدرامية الخالدة.

فتحية العسال طفولة قاسية صنعت شخصية استثنائية

وُلدت فتحية العسال في القاهرة عام 1933 داخل أسرة محافظة بحي السيدة زينب، وعاشت طفولة صعبة تركت آثارًا عميقة في وجدانها وشخصيتها، فقد حرمها والدها من التعليم، ولم يسمح لها بالذهاب إلى المدرسة مثل أشقائها الذكور، كما تعرضت في طفولتها للعديد من التجارب القاسية التي تحدثت عنها لاحقًا في مذكراتها الشهيرة “حضن العمر”، ومنها الحرمان والتمييز ضد الفتاة داخل الأسرة المصرية التقليدية.

كانت هذه التجارب هي الشرارة الأولى التي صنعت مشروعها الفكري، وجعلتها تنحاز طوال حياتها لقضايا المرأة والحرية والعدالة الاجتماعية.

الزواج المبكر.. نقطة التحول الكبرى

في سن الرابعة عشرة تزوجت من الكاتب والصحفي عبدالله الطوخي، وهي تجربة شكلت منعطفًا مهمًا في حياتها، ورغم أن الزواج جاء مبكرًا، فإن وجود زوج مثقف ساعدها على اكتشاف عالم الكتب والثقافة، فبدأت رحلة تعليم نفسها بنفسها، تعلمت القراءة والكتابة في المنزل، ثم انطلقت إلى عالم الأدب والكتابة بشكل تدريجي.

لكن حياتها الزوجية لم تكن مستقرة دائمًا؛ فقد انفصلت عن زوجها لفترة بسبب شعورها بأنه يحاول فرض سيطرته عليها، غير أن قصة الحب بينهما لم تنتهِ، إذ التقيا مجددًا بعد سنوات، واكتشفا أن المشاعر لا تزال قائمة، فعادا إلى بعضهما وتزوجا مرة أخرى في قصة وصفتها هي نفسها بأنها أقرب إلى فيلم سينمائي.

السجن ثلاث مرات.. والثمن كان الحرية

لم تكن فتحية العسال مجرد كاتبة تكتب من خلف مكتبها، بل كانت مناضلة سياسية واجتماعية دفعت ثمن مواقفها، تعرضت للاعتقال ثلاث مرات بسبب آرائها السياسية وكتاباتها ومواقفها العامة، كما عاشت تجربة السجن بكل تفاصيلها القاسية، لكن هذه التجربة لم تكسرها، بل تحولت إلى مصدر إلهام لأحد أشهر أعمالها الأدبية والدرامية “سجن النسا”، ومن داخل السجن كتبت عن النساء المهمشات والمنسيات، وقدمت صورة إنسانية عميقة لمعاناة المرأة المصرية.

كيف أصبحت كاتبة رغم أنها لم تتعلم؟

ربما تكون هذه هي القصة الأكثر إلهامًا في حياة فتحية العسال، فبعد سنوات من الحرمان من التعليم، قررت أن تخوض معركتها الخاصة ضد الجهل، تعلمت القراءة والكتابة بنفسها، وبدأت الكتابة الأدبية عام 1957، ثم راحت تنشر أعمالها تدريجيًا حتى أصبحت واحدة من أشهر الكاتبات في مصر والعالم العربي.

ولم يكن نجاحها مجرد نجاح شخصي، بل كان انتصارًا لفكرة أن الإرادة قادرة على هزيمة الظروف مهما كانت قاسية.

أعمال صنعت تاريخ الدراما المصرية

قدمت فتحية العسال رصيدًا ضخمًا من الأعمال الأدبية والدرامية، ومن أشهر رواياتها: “نساء بلا أقنعة”، “سجن النسا”، “ليلة الحنة”.

وأما في المسرح فقدمت أعمالًا بارزة منها: “المرجيحة”، “البين بين”، “لام ألف همزة لأ”، “بلا أقنعة”.

بينما في الدراما التلفزيونية كتبت ما يقرب من 57 مسلسلًا، من أبرزها:”هي والمستحيل”، “رمانة الميزان”، “حتى لا يختنق الحب”، “شمس منتصف الليل”، “حبال من حرير”، “لحظة صدق”، ويعد مسلسل “هي والمستحيل” من أكثر الأعمال ارتباطًا بسيرتها الذاتية وتجاربها الحياتية.

ابنتها نجمة شهيرة

أنجبت فتحية العسال ابنتين، من بينهما الفنانة المعروفة صفاء الطوخي، التي ورثت جانبًا من موهبة والديها الفنية والأدبية.

“حضن العمر”.. الكتاب الذي كشف أسرار حياتها

في عام 2004 أصدرت مذكراتها الشهيرة “حضن العمر”، والتي تعد من أهم السير الذاتية النسوية في الأدب العربي الحديث، وفي هذا الكتاب كشفت الكثير من تفاصيل حياتها الشخصية، بداية من الطفولة والزواج والحرمان من التعليم، مرورًا بالسجن والنضال السياسي، وصولًا إلى رحلتها مع الكتابة والإبداع.

جوائز وتكريمات

حصدت فتحية العسال العديد من الجوائز والتكريمات، وكان أبرزها حصولها على جائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2004 تقديرًا لمسيرتها الأدبية والإبداعية الطويلة.

كما تولت عدة مناصب ثقافية مهمة، من بينها: عضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب المصريين، رئيسة جمعية الكاتبات المصريات.
الأمينة العامة لاتحاد النساء التقدمي.

لماذا بقيت فتحية العسال حاضرة بعد رحيلها؟

لأنها لم تكن تكتب عن شخصيات خيالية بعيدة عن الواقع، بل كتبت عن نفسها وعن ملايين النساء المصريات، كتبت عن المرأة التي حُرمت من التعليم، وعن الزوجة التي تبحث عن حريتها، وعن الأم التي تواجه المجتمع وحدها، وعن السجينة التي تحلم بالعدالة، ولهذا بقيت أعمالها حية، وبقي اسمها حاضرًا بعد أكثر من عقد على رحيلها.

وفي ذكرى رحيلها الثانية عشرة، لا تبدو فتحية العسال مجرد كاتبة رحلت عام 2014، بل تبدو فصلًا كاملًا من تاريخ الأدب المصري الحديث.

امرأة بدأت حياتها محرومة من أبسط الحقوق، لكنها انتهت رمزًا للحرية والإبداع والنضال النسوي، تاركة وراءها إرثًا أدبيًا وإنسانيًا لا يزال يلهم الأجيال الجديدة حتى اليوم.

اقرأ ايضا:

في عيد ميلاده الـ34.. محمد صلاح من شوارع نجريج إلى عرش الكرة العالمية.. حكاية «الملك المصري» التي ألهمت الملايين

أحمد عبد الوهاب.. 7 محطات صنعت صاحب «الحفيد» وأحد أهم كتاب الأسرة المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى