في ذكرى رحيله.. سناء شافع.. أستاذ المسرح الذي جمع بين الموهبة والقاعة الأكاديمية

في مثل هذا اليوم، 12 أغسطس 2020، رحل الفنان والمخرج المسرحي والأكاديمي سناء شافع، تاركًا وراءه مسيرة فنية وأكاديمية امتدت لعقود، جمع خلالها بين الوقوف على خشبة المسرح، والإخراج، والتدريس، والعمل الإداري، ليصبح واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بالحركة المسرحية والأكاديمية في مصر.

لم يكن سناء شافع مجرد ممثل يظهر في عمل فني ثم يغيب، بل كان صاحب تجربة متعددة الجوانب، آمن بأن المسرح مدرسة حقيقية، وأن الفنان لا يكتفي بتقديم دوره أمام الجمهور، وإنما يحمل مسؤولية نقل المعرفة والخبرة إلى الأجيال الجديدة.

سناء شافع من الفن إلى الأكاديمية

ولد سناء شافع في 25 يناير 1943، وبدأ رحلته مع الفن من بوابة المسرح، الذي ظل حاضرًا بقوة في تكوينه وشخصيته المهنية، ومع مرور الوقت، اتجه إلى الجانب الأكاديمي، ليصبح التدريس جزءًا أساسيًا من مشروعه، حيث عُين مدرسًا بأكاديمية الفنون عام 1977، ثم تدرج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتولى لاحقًا منصب عميد المعهد.

وكان الجمع بين الممارسة الفنية والعمل الأكاديمي أحد أبرز ملامح تجربته؛ فهو الفنان الذي يحمل خبرته من خشبة المسرح إلى قاعات الدراسة، ويحول التجربة العملية إلى معرفة يستفيد منها الطلاب.

مديرًا لمسرح الطليعة

ارتبط اسم سناء شافع أيضًا بالعمل المسرحي والإداري، حيث تولى منصب مدير مسرح الطليعة عام 1974، وهي تجربة منحته مساحة للتعامل مع المسرح من زاوية مختلفة، لا باعتباره ممثلًا أو مخرجًا فقط، وإنما باعتباره مؤسسة تحتاج إلى رؤية وإدارة واختيارات فنية.

وكان مسرح الطليعة أحد المساحات المهمة للتجارب المسرحية المختلفة، الأمر الذي جعل العمل فيه محطة بارزة في مسيرته.

ممثل لا ينسى

إلى جانب المسرح والإخراج والتدريس، عرف الجمهور سناء شافع من خلال مشاركاته في السينما والتليفزيون، حيث قدم مجموعة من الشخصيات التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والأعمال التاريخية والكوميدية.

وكان يمتلك حضورًا خاصًا أمام الكاميرا، يعتمد على الأداء الهادئ والقدرة على تقديم الشخصية دون مبالغة، وهو ما جعله مناسبًا للأدوار التي تحتاج إلى حضور وتمكن أكثر من اعتمادها على الاستعراض.

كما شارك في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية والمسرحية، وظل حاضرًا فنيًا بالتوازي مع مشواره الأكاديمي.

المسرح كان مشروع حياة

ربما كان المسرح هو المساحة الأهم في تجربة سناء شافع، ليس فقط لأنه عمل فيه ممثلًا ومخرجًا، وإنما لأنه تعامل معه باعتباره وسيلة لصناعة الوعي وتطوير الذائقة الفنية.

ومن هذا المنطلق، لم يكن مستغربًا أن يستمر ارتباطه بالتدريس والتأهيل الأكاديمي؛ فالمسرح بالنسبة إليه لم يكن مجرد عرض ينتهي بانتهاء الستار، وإنما عملية متكاملة تبدأ من إعداد الفنان وتنتهي بالتواصل مع الجمهور.

وقد انعكست هذه الرؤية على تجربته الأكاديمية، التي امتدت لسنوات طويلة داخل أكاديمية الفنون والمعهد العالي للفنون المسرحية.

بين خشبة المسرح وقاعة المحاضرات

تميزت تجربة سناء شافع بوجود خط واضح يربط بين الفن والتعليم. فالفنان الذي يعرف تفاصيل العمل المسرحي من الداخل كان في الوقت نفسه أستاذًا مسؤولًا عن إعداد أجيال جديدة من الفنانين.

وهذه الثنائية منحته موقعًا خاصًا داخل الوسط الفني؛ إذ لم يكن دوره مرتبطًا فقط بما قدمه أمام الكاميرا، وإنما أيضًا بما تركه من خبرات لدى طلابه وزملائه.

سنوات من العطاء

امتدت مسيرة سناء شافع لأكثر من نصف قرن، شهد خلالها المسرح المصري تحولات كبيرة، كما شهدت الدراما والسينما تغيرات متلاحقة.

وخلال هذه الرحلة، ظل قادرًا على الانتقال بين أكثر من مساحة، فجمع بين التمثيل والإخراج والتدريس والعمل الإداري، وهي تركيبة يصعب أن تجتمع في شخص واحد بالقدر نفسه من الاستمرارية.

ولذلك فإن الحديث عن سناء شافع لا يمكن اختزاله في قائمة من الأعمال الفنية فقط، لأن تجربته الأوسع كانت في قدرته على الجمع بين الفنان والمخرج والأستاذ الأكاديمي والإداري المسرحي.

رحيل ترك فراغًا في الوسط الفني

في 12 أغسطس 2020، رحل سناء شافع عن عمر ناهز 77 عامًا، بعد رحلة طويلة مع الفن والتعليم، وبوفاته فقد المسرح المصري واحدًا من أبناء جيله الذين ارتبطت حياتهم بالمؤسسة المسرحية والأكاديمية معًا، لكن رحيله لم ينهِ حضوره، فالأعمال الفنية التي شارك فيها، والأجيال التي درس لها، والتجارب المسرحية التي خاضها، كلها أصبحت جزءًا من إرثه.

سناء شافع.. ذاكرة لا تغيب

في ذكرى رحيله، لا يعود اسم سناء شافع باعتباره فنانًا ظهر في عدد من الأعمال فقط، وإنما باعتباره نموذجًا للفنان الأكاديمي الذي عاش أكثر من حياة في المجال نفسه.

فقد كان ممثلًا ومخرجًا وأستاذًا وعميدًا ومديرًا مسرحيًا، وظل المسرح حاضرًا في مختلف محطات حياته. وبينما يغيب الأشخاص، تبقى التجارب التي صنعوها، وتظل الأجيال التي تعلمت على أيديهم تحمل شيئًا من أثرهم.

وهكذا يبقى سناء شافع حاضرًا في ذاكرة المسرح المصري، لا باعتباره اسمًا من الماضي، وإنما باعتباره جزءًا من تاريخ فني وأكاديمي امتد لعقود، وترك بصمة يصعب تجاهلها.

اقرأ ايضا:

في ذكرى ميلاد نجاة الصغيرة.. حكاية «قيثارة الشرق» التي صنعت من الهمس فنا خالدا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى