د. حمادة شعبان لـ«صوت الأهلية»: الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحًا جديدًا في يد التنظيمات المتطرفة
حوار: نعمات مدحت
- السوشيال ميديا أخطر في استقطاب الشباب
- المتطرفون يستغلون الترند للوصول إلى الشباب
- الذكاء الاصطناعي أداة جديدة للتطرف الرقمي
- عدد المتابعين لا يعني أهلية علمية
- الخطاب المتطرف منهجي ويبدأ بصناعة المظلومية
- لا تتركوا الفضاء الإلكتروني للمتطرفين
- على الخطاب الديني الوصول إلى الشباب بلغتهم ومنصاتهم
في وقت لم تعد فيه معركة مواجهة التطرف تدور داخل المساجد أو المنابر التقليدية وحدها، انتقلت المواجهة إلى فضاء أكثر اتساعًا وتأثيرًا؛ هو العالم الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للأفكار والخطابات المتباينة، بما فيها الخطابات المتطرفة التي تستهدف الشباب بلغة سريعة وأدوات أكثر تطورًا.
وفي حوار خاص لـ” صوت الأهلية”، يتحدث الدكتور حمادة شعبان، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر ومشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، عن التحولات الجديدة في خطاب التنظيمات المتطرفة، وكيفية استغلالها للترندات الرقمية، ودور الذكاء الاصطناعي في تطوير أدواتها الإعلامية، إلى جانب جهود مرصد الأزهر في مواجهة هذه الخطابات والوصول إلى الشباب بلغتهم وأدواتهم.
ويكشف الحوار كيف انتقلت التنظيمات المتطرفة من أساليب التجنيد التقليدية إلى استراتيجيات رقمية أكثر تعقيدًا، وكيف أصبح استغلال المحتوى الرائج وسيلة للوصول إلى فئات لم تكن تبحث أصلًا عن المحتوى المتطرف.
كما يوضح الدكتور حمادة شعبان أن مواجهة التطرف لم تعد مسؤولية المؤسسات الدينية وحدها، وإنما تحتاج إلى مشاركة واسعة من الرياضيين والفنانين والإعلاميين والمثقفين والمعلمين وأساتذة الجامعات وكل أصحاب التأثير في المجتمع، حتى لا يُترك الفضاء الإلكتروني ساحة مفتوحة أمام المتطرفين.
السوشيال ميديا.. ساحة جديدة للتطرف
دكتور حمادة شعبان .. هل أصبحت السوشيال ميديا أخطر من المنابر التقليدية في نشر التطرف؟
نعم، أخطر بكثير وأكثر أمانًا بالنسبة لمن يستقطب الشباب. والدليل على ذلك أن تنظيم القاعدة على سبيل المثال قبل تطور الاتصالات وظهور مواقع التواصل الاجتماعي عندما أراد أن ينقل المعركة من الشرق إلى الغرب أرسل مقاتلين من الشرق إلى الولايات المتحدة ونفذ عملية 11 سبتمبر، في حين أن تنظيم داعش استطاع نقل هذه المعركة إلى الغرب عن طريق مواقع التواصل، حيث استطاع من خلال هذه المواقع تجنيد أفراد في الغرب نفذوا عمليات في فرنسا وألمانيا والنمسا وبلجيكا… عن طريق ما يسمى بالذئاب المنفردة.
فالذئب المنفرد هو شخص لا ينتمي تنظيمًا لداعش لكنه تأثر بخطابه الإعلامي التحريضي على مواقع التواصل وشبكة الإنترنت، وأخذ سيارته ونفذ عملية دهس أو سكينة مطبخه ونفذ عملية طعن.
باختصار استخدم داعش وسائل الإعلام الرقمي كسلاح، وصور لأتباعه أن نشاطهم على مواقع التواصل هو جهاد، ودائمًا ما يستخدم قادة التنظيم في خطابهم مصطلحات مثل “فرسان الإعلام”، “الثغور الإعلامية”، “الغزوات الإعلامية”.

الترند.. بوابة المتطرفين إلى الشباب
كيف يستغل المتطرفون «الترند» للوصول إلى الشباب؟
تسعى التنظيمات المتطرفة إلى الاستفادة من الترندات الرقمية لأنها تتميز بعدد من الخصائص التي تجعلها جاذبة لهذه التيارات مثل: السرعة الفائقة في تداول المحتوى، ومن ثم فإن استخدام الترند يجعل الشاب يصل بنفسه إلى محتوى هذه التنظيمات، ويجعل المحتوى المتطرف يصل إلى فئات شبابية لا تبحث عنه، وإنما ذهبت إليه صدفة عن طريق بحثها واطلاعها على الترند.
الأزهر وصناعة ترند مضاد في مواجهة التطرف الرقمي
هل يستطيع الأزهر أن يصنع «ترندًا» في مواجهة التطرف؟
الأزهر الشريف لا يصنع ترندات ولا يسعى إلى صنعها، الأزهر مؤسسة دينية كبيرة ومرجعية المسلمين الأولى، ومسؤوليته التاريخية والدينية تجعل خطابه خطابًا مضادًا للخطاب الإعلامي والخطاب الإفتائي للتنظيمات المتطرفة، وهذا ما نراه بأعيننا رأي العين.
فجهود الأزهر في مكافحة التطرف معروفة، لا يكفي مقال واحد محدود المساحة لحصرها. لكني سأذكر جهود قليلة خاصة بمكافحة التطرف، وأكتفي بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف الذي يعمل على مدار الساعة في رصد خطاب المتطرفين في الشرق والغرب والشمال والجنوب بكل لغات العالم تقريبًا، ويحلل هذا الخطاب ويرد عليه من خلال لجانه الشرعية.
وقد ترجم المرصد في هذا الصدد عددًا من المجلات المتطرفة التي كان يصدرها داعش، وكشف مغالطاتها ونشر ردوده عليها.
ويدخل ضمن قضية مكافحة التطرف موضوعات مثل “الإسلاموفوبيا” و”الخطاب التحريضي لليمين المتطرف” في الغرب، حيث تقوم وحدات المرصد برصد كافة أعمال العنف التي تُمارَس ضد المسلمين، واستهداف المراكز والجمعيات الإسلامية، والتعدي باللفظ والفعل على المحجبات، والتصريحات السلبية لبعض الصحفيين والسياسيين ورجال الدين البارزين في شتى بقاع الأرض، كما يقوم المرصد بدراسة الظاهرة وتحديد أسبابها الحقيقية وصياغة توصيات لحلها.

الذكاء الاصطناعي.. أداة جديدة في يد التطرف
هل أصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة في صناعة المحتوى المتطرف؟
نعم، فالتنظيمات المتطرفة باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة استراتيجية تعزّز حضورها الإعلامي وقدراتها العملياتية على حدٍّ سواء.
وهو ما يجسد حقيقة أن الإرهاب “ظاهرة متطورة الأساليب والأدوات”، وأن الذكاء الاصطناعي، كسلاح ذي حدّين، قد يكون قوة للبناء إن وُظّف بأخلاقيات، وقد يتحول إلى تهديد إذا استغلته جماعات العنف لتنفيذ أجندات تخريبية.
وتشير الأدلة الميدانية والدراسات الأمنية إلى أن التنظيمات الإرهابية باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي في عدة مسارات رئيسية على رأسها ترجمة البيانات والوثائق وافتتاحيات الصحف إلى لغات متعددة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم نشر هذا المحتوى عبر قنوات “تليغرام” ليستقبلَه الأفراد المنتمون أو المؤيدون من جنسيات مختلفة.
ويمنح هذا الأسلوب تلك الجماعات قدرة أكبر على التفاعل المباشر والسريع مع جمهور متعدد اللغات والانتماءات، ما يجعل رسائلها أكثر انتشارًا وأوسع تأثيرًا.
كذلك أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي عاملًا مساعدًا في عمليات التمويل التي تعتمدها بعض الجماعات الإرهابية، خاصة عبر العملات الرقمية المشفّرة مثل “بيتكوين”.
وفي عام 2020 أعلنت وزارة العدل الأميركية تفكيك سلسلة من حملات جمع التبرعات الرقمية المتطورة، التي أدارتها ثلاث منظمات إرهابية. ويكشف سقوط هذه الشبكات نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في المستقبل لمواجهة تمويل الإرهاب عبر الإنترنت.
كذلك تلجأ بعض التنظيمات إلى الذكاء الاصطناعي كآلية للاستعراض الإعلامي، في محاولة لإيصال رسالة بأن لديها القدرة على مواكبة أحدث التقنيات العالمية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما أقدم عليه تنظيم داعش حين استخدم مذيعًا روبوتيًا لقراءة إحدى نشراته الإخبارية، في خطوة أثارت قلق الحكومات وأجهزة الأمن لما تحمله من دلالات على سعي التنظيم لدمج التقنيات الحديثة في دعايته الداخلية والخارجية.
مواجهة المرصد لصُنّاع المحتوى المتطرف
كيف يمكن للمرصد أن ينافس صناع المحتوى الذين يخاطبون الشباب بلغة أسرع وأكثر جذبًا؟
المرصد منذ نشأته يتطور باستمرار ويسعى لأن يكون مواكبًا لما يحدث في العالم، والمتتبع للمرصد سيلحظ هذا التطور، حيث كانت البداية بثماني وحدات ثم وصلت الآن لـ13 وحدة.
وعندما نشر تنظيم داعش مجلة باللغة التركية استحدث المرصد “وحدة رصد اللغة التركية”، وعندما أعلن “ترامب” في ولايته الأولى القدس عاصمة لإسرائيل استحدث المرصد “وحدة رصد اللغة العبرية”.
وعندما بدأ المرصد كان يكتفي في منشوراته بالرواية المضادة للخطاب المتطرف، بمعنى إن رصد تفسيرًا مغلوطًا لآية قرآنية أو حديث نبوي كان المرصد يشتبك مع هذا الخطاب ويفنده ويرد عليه، لكن بعد ذلك بدأ المرصد تدشين رواية بديلة، بمعنى ألا ينتظر إصدارًا يصدر عن أي تنظيم متطرف، بل يكون للمرصد السبق في نشر الخطاب الوسطي وترسيخ القيم الدينية.
ومن ثم لم يكتفِ المرصد بنشر مقالات وتقارير وإصدارات مكتوبة، بل دشن حملات توعوية وميدانية يلتقي فيها بالشباب مباشرة في الجامعات والمدارس ومعارض الكتاب، ويفتح معهم نقاشات حول قيم المواطنة وحب الوطن والانتماء إليه وخطورة الشائعات وكيفية الوقاية من الخطاب المتطرف.
كما انفتح المرصد على الإعلام وظهر مشرفوه وباحثوه على القنوات الإعلامية، وأصبح للمرصد برنامجان على قناتي الناس والحياة، هذا بخلاف منصات المرصد الإعلامية التي تقوم عليها “الوحدة الإعلامية” بالمرصد، وتنشر فيديوهات قصيرة وأفلامًا وثائقية لبعض القضايا التي يعني بها المرصد.
وكانت لهذه الجهود تأثيرات مهمة داخليًا وخارجيًا، حيث دُعي المرصد ثلاث مرات للمشاركة في اجتماعات “لجنة مكافحة الإرهاب” في “مجلس الأمن الدولي” التابع للأمم المتحدة، وهذا يعني أن المرصد وصل إلى أعلى منصة سياسية في العالم.
هذا بالإضافة إلى مؤتمرات أخرى في اليابان وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال والولايات المتحدة الأمريكية وفي بعض دول “آسيا الوسطى” مثل أوزبكستان وكازاخستان، وكذلك في كينيا والصومال ودول أخرى كثيرة.
ولفتت أنشطة المرصد أنظار العديد من الشخصيات العامة والمفكرين والسياسيين، وكان نتيجة ذلك أن زار المرصد العديد من القامات السياسية والعلمية والإعلامية في مصر والعالم، وأشادوا بجهود المرصد وطالبوا بالاستفادة من تجربته.
ومن بين أهم هذه الزيارات زيارة منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب “جيل دو كيرشوف”، في سبتمبر 2019، كما زار المرصد رئيسان للجمعية العامة للأمم المتحدة ووزير خارجية إيطاليا ووزير خارجية صربيا، وغيرهم كثيرون.
وأكاديميًا أصبح المرصد والمواد العلمية التي يُخرجها محط أنظار العديد من الباحثين والأساتذة في بعض الجامعات المصرية، واتخذ بعض هؤلاء المرصد عنوانًا لرسالته أو بحثه.

سر نجاح الخطاب المتطرف في جذب الشباب
لماذا ينجح بعض الخطاب المتطرف في جذب الشباب؟
يخطئ من يظن أن الخطاب المتطرف هو خطاب عشوائي، إنه خطاب منهجي ومدروس يستهدف الشباب المتحمس لقضية الدين وفي الوقت ذاته ليست لديه دراية جيدة بالدين وقيمه.
يبدأ التنظيم المتطرف خطابه بالمظلومية مصورًا نفسه بالضحية ليدغدغ مشاعر المشاهد أو المستمع، ولتوفير شرعية لأفعال التنظيم التي يستبشعها الناس ولا يستوعبونها.
وتوظف التنظيمات خطاب المظلومية هذا في مقابل خطاب العنف والتهديد؛ لتمنح عنفها ووحشيتها غطاءً شرعيًا، فهو تنظيم مظلوم ويرتكب هذه الفظائع كرد فعل على ما تعرض له من ظلم.
ثم بعد أن يُظهر التنظيم مظلوميته يستخدم خطابًا يُسمى “خطاب الدمج”، وهو تحميل المشاهد أو المستمع المسؤولية، بأن يقول له مثلًا: “فماذا أنت فاعل؟” أو “هل ستتركنا نُظلم؟”.
فهدف هذا الخطاب هو تحويل المشاهد من شخص عادي إلى شخص حركي مُطالب بالثأر للمظلومين، فهذا الخطاب هو نقل المؤيدين من التأييد السلبي إلى الإيجابي، ومن حالة رفض الواقع إلى التمرد عليه.
بعد ذلك يأتي خطاب التحريض والعنف، ثم في النهاية يأتي خطاب “يوتوبيا” الذي يربط تنفيذ مطالب التنظيم بالحصول على مكافأة دينية متوهمة.

الخطاب الديني بلغة السوشيال ميديا
هل نحتاج إلى خطاب ديني جديد يتحدث بلغة «السوشيال ميديا»؟
نعم نحتاج إلى ذلك، فعالم الدين ينبغي عليه ألا يُحصر خطابه المعتدل في جمهور المسجد فقط، وإنما ينبغي عليه أن يكون أكثر انتشارًا بين الناس وخصوصًا الشباب، وأفضل ما يتيح له ذلك هي مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن ثم ينبغي تزويد المساجد بأجهزة حاسوب، وتأهيل الخطباء والوعاظ عن طريق إعطائهم الدورات اللازمة في مجال التواصل الاجتماعي حتى يستطيعوا نشر أفكارهم عبر الشبكة العنكبوتية، وحتى يصلوا بخطابهم المعتدل إلى أكبر عدد ممكن من الشباب.
كذلك ينبغي أن يقوم الرياضيون، وخصوصًا لاعبي كرة القدم المشهورين، بدورهم التوعوي والتربوي في نبذ العنف والتعصب، ليس من خلال الروح الرياضية داخل الملاعب فحسب وإنما أيضًا خارجها، وأفضل ما يتيح لهم القيام بهذا الدور هو صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي التي يرتادها الملايين.
ونتذكر موقفًا للاعب “محمد صلاح” حين التقطته إحدى الكاميرات وهو يمسك في يده كتابًا يظهر منه فقط جزء من الغلاف، وعلى الفور قام محبو اللاعب بالبحث عن هذا الكتاب، وحقق الكتاب حينها أعلى نسبة بحث على مؤشر البحث “جوجل”.
فماذا لو استغل جميع اللاعبين المشهورين مواقع التواصل الاجتماعي في حث الشباب على التلاحم وحب الإنسانية، وحب الوطن وتقوية الانتماء إليه، ونبذ العنف والتعصب؟ وكذا الفنانون ومقدمو البرامج والمثقفون والكتاب والشعراء والمدرسون وأساتذة الجامعة، وكل من له قدرة على التأثير في الشباب، باختصار لا ينبغي ترك الفضاء الإلكتروني ساحة فارغة للمتطرفين والمتشددين، بل ينبغي مزاحمتهم فيه بالخطاب المعتدل.
اقرأ ايضا:
السعيد نجم لـ«صوت الأهلية»: أم كلثوم «رائحة الوطن».. والقطار كان نافذتنا الوحيدة على العالم




