رجب أبو سرية: محمود درويش حفزني على كتابة الشعر ولم يكن قيدًا على صوتي (حوار)

حوار: نعمات مدحت

-الموت في وطني شهادة وبوابة للحياة
-الوطن ذاكرة وأفق مفتوح على المستقبل
-الرواية تتحمل مسؤولية خاصة في ظل حرب الإبادة
-البطولة عندي تظهر في أناس عاديين
-التجربة المشتركة هي التي تحدد شراكات البشر
-الأدب يجب أن يراقب السياسي لا أن يتبعه
-أخطر ما يهدد أدب المقاومة تحوله إلى خطاب سياسي
-كنت مقاومًا في الأدب وأديبًا في المقاومة

هناك كتّاب يكتبون لأن لديهم حكاية يريدون روايتها، وهناك كتّاب تتحول الكتابة عندهم إلى موقف من الحياة والإنسان والتاريخ، وبين الاثنين يقف الشاعر والروائي والناقد والصحفي الفلسطيني رجب عطا أبو سرية، صاحب تجربة إبداعية ممتدة عبر الرواية والقصة والشعر والمسرح والدراسة والنقد، وتجربة إنسانية تشكلت بين فلسطين ومصر والمنفى والعودة، وبين ذاكرة المكان وتحولات الواقع.

من «دائرة الموت» إلى «عمارة صهيون» و«أولاد الجرو» و«دي إن إيه»، تبدو فلسطين في مشروع رجب أبو سرية أكثر من مجرد موضوع أدبي؛ إنها ذاكرة ومكان وهوية وأسئلة مفتوحة عن الموت والحياة والمقاومة والإنسان. وحين يتحدث عن غزة التي عرف شوارعها وأحياءها قبل أن يرى تدميرها، لا يتحدث الكاتب من موقع المراقب، وإنما من موقع من يحمل المكان في ذاكرته ويعيد بناءه بالكلمات، وكأن الرواية تصبح في لحظة ما محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدينة تتعرض للمحو.

لكن تجربة أبو سرية لا تقف عند حدود القضية الفلسطينية؛ فهو كاتب يرى أن الأدب لا ينبغي أن يتحول إلى منشور سياسي، وأن المثقف الحقيقي يحتاج إلى مسافة نقدية تحمي استقلاله، ولذلك يختصر تجربته بالقول إنه كان «مقاومًا في الأدب، وأديبًا في المقاومة». كما ينظر إلى الهوية من زاوية أوسع، ويرى أن التجربة المشتركة بين البشر قادرة على بناء ما قد تعجز الجغرافيا والدم والذاكرة وحدها عن بنائه.

وفي مصر، التي جاء إليها شابًا قبل نحو نصف قرن بحثًا عن التعليم والحياة، وجد أبو سرية ما هو أبعد من الجامعة؛ وجد مجتمعًا ضاجًا بالحياة، وشارعًا علّمه ما لم تمنحه الكتب، وظلت مصر حاضرة في تكوينه حتى اليوم. وبين عشقه لمحمود درويش ونزار قباني، وتنوع تجربته بين الأجناس الأدبية، يواصل مشروعه الروائي الذي يقول إنه لم يعد مجموعة أعمال متفرقة، وإنما مشروع واسع يسعى إلى تفكيك عوالم العدو، وطرح أسئلة العرب وعلاقاتهم بأنفسهم وبجيرانهم.

في هذا الحوار مع مجلة صوت الأهلية، يفتح رجب أبو سرية دفاتر تجربته، ويتحدث عن فلسطين التي لم تعد مجرد وطن في الذاكرة، وعن غزة التي يعيد بناءها في الرواية، وعن البطولة والمقاومة والهوية، وعن محمود درويش ومصر، وعن الكاتب الذي لا يزال يرى أن أجمل الأيام هي تلك التي لم يعشها بعد، وإلى نص الحوار..

في «دائرة الموت» كتبتَ الفلسطيني وهو يواجه الموت لكنه في الوقت نفسه «عاشق للحياة»، وبعد أكثر من ثلاثة عقود عدتَ إلى غزة في «عمارة صهيون» و«أولاد الجرو» وإلى الأرض والهوية في «دي إن إيه».. ما الذي تغيّر في صورة الفلسطيني داخلك منذ الرواية الأولى حتى هذه الروايات الثلاث؟ وهل أصبح الموت اليوم أكثر حضورًا من الحياة في المخيلة الفلسطينية؟
ما بين الرواية الأولى, والروايات الثلاث الأخيرة, اكتملت صورة الفلسطيني بداخلي, في ذهني ومخيلتي وتجربتي, وبعد أن كانت تلك الصورة مجزوءة, أو مركبة من صورة حقيقة للفلسطيني في الخارج, أو في المنفى, مع صورة ضبابية للفلسطيني في داخل الوطن, صارت صورته مكتملة, وبعد ان كانت مجردة, تعرفت عليها من خلال معايشة في المخيم, وربما أيضا عن بعد, صارت مجسدة ومجسمة, من لحم ودم, بعد ان عايشتها في الوطن, بعد عودتي أنا إليه, أما الموت فقد بقي حاضرًا بالطبع, بل وصار صاخبًا, والدليل هو رد فعل الكون بأسره, على حرب الإبادة, أي انه لم يعد مقتصرا على ما اختزنته الذاكرة, من مجازر سابقة, ولا على ما تتخيله الذاكرة من توقع, لكنه أكد ما سبق لي وأن كتبته في “دائرة الموت”, من انه يمثل مع الحياة جدلية أبدية, فالموت في وطني شهادة, أي بوابة لعبور الآخرين الى الحياة, وليس نهاية للحياة وحسب.

قلتَ إن الرواية الفلسطينية يمكن أن تكون وسيلة لحماية الذاكرة ومواجهة محو المكان.. لكن أمام تدمير المكان نفسه في غزة، هل أصبحت الرواية مطالبة بأن تحفظ ما عجز الواقع عن الاحتفاظ به؟ وهل تخشى أن يأتي جيل فلسطيني يعرف غزة من الرواية أكثر مما يعرفها من ذاكرته؟

ما قلته بهذا الصدد, ربما جاء كرد فعل أو كتأكيد على ما كانت وزارة الثقافة الفلسطينية قد حاولت القيام به عام 1998 من تدوين للرواية الشفاهية حول النكبة, بعد 50 سنة على وقوعها, حيث اكتشف الفلسطيني بان روايته لما حدث ظلت حبيسة الذاكرة الشفاهية لدى الجيل الذي عاش تفاصيلها, لذلك سارع الى تدوين ما امكن تدوينه, عملا بالمقولة “انقاذ ما يمكن انقاذه”, وبالطبع الرواية السردية المكتوبة, منذ ظهرت قبل قرون, وهي تعتبر ابنة المدينة, تتغير معالمها لأكثر من سبب, وتحتفظ بها الذاكرة الروائية, كما كانت, وهذا ما نشاهده في الأفلام والمسلسلات المنقولة عن الروايات.

ولعل احاطة القاريء العربي بتفاصيل اهم المدن العربية “القاهرة” كان من خلال “ثلاثية” نجيب محفوظ, ومجمل رواياته القاهرية, لقد شعرت بالأسى بالطبع, وأنا اشاهد وأقرأ واتابع تدمير شوارع واحياء وعمارات غزة, لكني شعرت في الوقت نفسه, بشيء من العزاء, كوني كنت قد “شيدت” تلك المعالم في رواياتي الأخيرة, خاصة “عمارة صهيون” و”اولاد الجرو”, نعم وهذا يعني ان تتحمل الرواية مسؤولية خاصة في ظل حرب الابادة, التي تستهدف وجودنا بكل تفاصيله, وليس حياتنا فقط, لا اخشى على الجيل القادم, وقد سبق وان توقع العدو, ان تنسى الأجيال التالية على النكبة موطن الآباء, لكن ثبت العكس, فالوطن ليس ذكرى, بقدر ما هو ذاكرة, وأفق مفتوح على المستقبل, وحاضر محتدم بينهما.

«أولاد الجرو» تبدو رواية شديدة الخصوصية في علاقتها بالشجاعية، والمنفى، والأرض، والثأر، وحتى حكايات الزير سالم التي تتشكل حولها شخصية الجيل الجديد.. لماذا اخترتَ تحديدًا فكرة رجل عاش عمره رافضًا للثأر، ثم وجد نفسه في مواجهة عدو يعيد إنتاج سؤال الثأر والمقاومة؟ وهل كنتَ تراجع مفهوم البطولة نفسه من خلال الرواية؟

اخترت تلك الشخصية لأقول بان “تغول” العدو, لم يبق كما يقولون “للصلح مطرح”, وانا شخصيا كنت من دعاة السلام وحتى التعايش, لكن الآخر لم يبق مكانا لمثل هذا الحلم, بعد ان ذهب بعيدا في نفي وجودنا, بارتكاب حرب الإبادة والتطهير العرقي, وفي حقيقة الأمر, كنت وانا اتابع مشاهد تدمير مسقط رأسي في “حي الشجاعية” استذكر كل فصول حياتي, خاصة منها فصل الطفولة, فمر أمامي شريط الذكريات, كما لو كان رواية متخيلة.

فكانت “اولاد الجرو”, كما لو كانت “ذكريات الطفولة”, لكن وفق منطق الضرورة السردية الروائية, وكان ان فرضت اجواؤها تقنية السرد, التي جاءت في سياق السرد الملحمي, المشبعة به ذاكرتنا التي نشات على قصة الزير سالم, وأبي زيد الهلالي, نعم وقد جاءت مراجعة مفهوم البطولة في رواية “اولاد الجرو” في هذا السياق, حيث لم ينشأ البطل على موقف الأخذ بالثأر, لكنه وجد نفسه عليه بعد ان اجبرته الظروف, أو تحولات المسار السردي على ذلك, وفي الحقيقة أنا شخصيا أقدم بطولة جماعية في رواياتي ومسرحياتي وقصصي, لذلك فحتى البطولة الفردية عندي لا تكون خارقة, بل تظهر في اناس عاديين, نراهم كل الوقت بيننا.

في «دي إن إيه» تطرح سؤالًا شديد الحساسية: هل الهوية تُبنى على الدم أم على النضال؟ وفي رأيك، بعد كل ما جرى ويجري في فلسطين، أيهما أصبح أكثر قدرة على تعريف الفلسطيني: الجغرافيا، الذاكرة، الدم، أم التجربة المشتركة؟

الحقيقة فكرة هذه الرواية, رغم انها ترتبط بشخصية الفلسطيني, حيث بطلها هو كذلك, إلا انها ترتبط بتطور رؤيتي للعالم, حيث صرت أؤمن بالتداخل والتعايش بين البشر, وبانفتاح الحدود بين الشعوب والقوميات, وإذا كانت وانا شاب أؤمن بالأممية بين الشعوب, فقد صرت وأنا كهل أؤمن بالعالمية, وحتى بالمواطنة العالمية, لكن رغم هذا فإن سؤال الهوية مطروح روائيا منذ “عائد الى حيفا” من قبل غسان كنفاني.

أما بالنسبة لي فرغم ان أجواء روايتي فلسطينية, إلا أن فكرتها انسانية عالمية, ومع ذلك أقول بأن التجربة المشتركة بين البشر هي التي تحدد شراكاتهم, أي ما يجمع بينهم, قد تؤثر الجغرافيا الواحدة, وكذلك الذاكرة المشتركة فيما يوحدهم, لكن كثير من المجموعات البشرية التي تعيش في جغرافيا واحدة, اصطدمت فيما بينها في حروب وصراعات, كذلك ذاكرة واحدة لأخوين, قد لا تكفي ليكونا متحدين, فهناك المصالح والمواقف والقناعات, ولعل خير دليل هو “شريك العمر” فقد يختار زوجان احدهما الآخر, وكل منهما من جغرافيا مغايرة او ينتمي لذاكرة مختلفة, ورغم ذلك فإن الحياة معا والتجربة المشتركة بينهما يتوحد بينهما تماما.

أنت من الكتاب الذين تنقلوا بين الرواية والقصة والمسرح والشعر والنقد والصحافة، وقلتَ إنك كنت تنتقل من جنس أدبي إلى آخر ثم تعود إليه.. هل هذا التنوع كان بحثًا عن الشكل الذي يستطيع حمل أفكارك، أم أنك بطبيعتك لا تستطيع أن تحبس التجربة الإنسانية داخل جنس أدبي واحد؟

صحيح هذا ما حدث معي, وكثيرا ما كنت أتساءل, وقد اكنت أسأل عن هذا التنوع, إن كان يضر بتجربتي أم يفيدها, وما هي المقاربة الأدق, او السبب الذي يجعلني اكتب في اجناس واشكال ابداعية مختلفة, وكنت أجيب بأن للأمر وجه ايجابي وآخر سلبي, بالايجابي هو ان بعض الأشكال والأجناس تفيد بعضها, مثل ان ايقاع الشعر يجعل من السرد أكثر رشاقة وجمالا, كذلك ان الرواية والقصة والمسرحية هي اشكال سردية قريبة من بعضها, والسلبي هو عدم التركيز والتخصص.

لكن حقيقة الأمر عندي تعود لسببين, أولهما, أني متنوع في ذائقتي بطبعي, احب كل مظاهر الحياة, استمع للاغاني ورغم عشقي لعبد الحليم وام كلثوم, إلا اني اطرب لنجاة وفايزة احمد, واشاهد السينما والمسرح, والفن التشكيلي, والحياة هكذا لا تقتصر على لون ابداعي واحد, والسبب الثاني هو ان التنوع يتيح لي المجال واسعا لأعبر عن نفسي بشكل أفضل, فهناك فكرة عابرة اجد الشعر انسب لتسجيلها, وهناك عالم يتشكل في مخيلتي اجد الرواية هي الأنسب, فيما يتشكل موقف امامي باجد القصة افضل تعبير عنه, وهكذا,, وكل هذا يجعلني لا اجد وقت فراغ أضيعه فيما لا ينفع الناس.

في حديثك عن أدب المقاومة قلتَ إن هذا الأدب تراجع عندما أصبح مرتبطًا بالسياسي والفصيل، وإن المثقف يجب أن يحتفظ بمسافة نقدية من السلطة.. بعد تجربة فلسطينية طويلة، هل تعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للأدب المقاوم هو أن يتحول من موقف إنساني إلى خطاب سياسي جاهز؟ وأين تضع نفسك اليوم بين المقاومة والأدب؟

نعم قلت هذا, وما زلت مقتنعا به جدا, فأدب المقاومة يكون حرا حين يرتبط بحركة التحرر, ولكن حين تصبح حركة التحرر سلطة, يختلف الأمر, وفي كل الأحوال لابد من وجود مسافة, تجعل من الأدب مرجعا ومراقبا للسياسي وحتى للفصيل, لا تابعا له, او ناطقا بإسمه, ولعل جذر قناعتي او موقفي هذا مستمد من الحالة الدرويشية, بمحمود درويش بلا شك هو أهم مثقف مقاوم فلسطيني, ولم يكن كذلك إلا لأنه أبقى على تلك المسافة, التي أهلته ليواصل تفوقه الأبداعي حتى على نفسه, وينتقل من المباشرة والمنبرية في “سجل أنا عربي” و”مديح الظل العالي”, إلى “لاعب النرد” و”الجدارية”, بالطبع أخطر ما يمكن ان يحدث للأدب المقاوم, هو ان يتحول لخطاب سياسي كما أشرتِ, وحينها لن يكون لا أدبا ولا مقاومة, وفيما يخصني شخصيا, فأنا بعد كل هذه التجربة, وبعد كل هذا العمر, أقول بأني كنت مقاومًا في الأدب, واديبا في المقاومة, إن صحّ التعبير بالطبع.

أنت تقول إنك تعلّمت جوهر الحياة من الشارع أكثر مما تعلمته من «فزلكات المثقفين»، وإن مصر السبعينيات علّمتك الجرأة والشجاعة.. ماذا بقي من ذلك الشاب الفلسطيني الذي جاء إلى مصر باحثًا عن عبد الناصر وعبد الحليم، داخل الكاتب الذي نراه اليوم؟ وهل مصر غيّرت أسلوبك فقط أم غيّرت رؤيتك للإنسان أيضًا؟

نعم صحيح ما قلته, وقد عملت به, وما زلت مقتنعا به, فحقيقة الأمر, أني كشت بين الفواصل, بين الأدب والسياسة والفن, وبين اجناس الأدب والفن المختلفة, ولم انحز لفصيل بعينه, وإن كان أفضل بعضها, باختصار انا ارى الحياة متنوعة, وأرى أن الجمال يتجلى في أشكال وألوان مختلفة ومتعددة, لذا أنا لست متطرفا, وأرى كل شيء نسبي, ولا أرى الكمال متجليا إلا في الله وحده, فالكمال لله فقط, وكل شيء نسبي.

ولقد شكلت مصر شخصيتي حين جئتها وانا غض شاب اتلمس طريقي, جئت قاصدا التعليم الجامعي, فتعلمت منها وفيها الحياة بكل تفاصيلها ومواقفها, ومصر مجتمع ضاج بالحياة, هي تمثل الشارع العربي, وانا اذا كانت أرى في الدول العربية مجرد حكومات, فإني أرى في مصر الشعب العربي, لقد بقي ذلك الشاب الذي جاء مصر قبل 50 سنة باحثًا في حاراتها عن عبد الناصر وعبد الحليم, كما هو، ما زلت أنا هو ولكن بخبرة وتجربة وثقة عميقة بالنفس والموقف, والغريب اني ما زالت اتعلم من مصر كل ما هو جديد, لا يغير وجهتي في الحياة, ولكن يعمقها, ولذلك فإني أتأكد كل يوم من ان “مصر ما زالت, بل هي فعلا وليس قولا فقط “أم الدنيا” بها أكتفي عن العالم بأسره. ومقولة ” أم الدينا” تنطوي على فلسفة انسانية مكتملة, تتجاوز التعصب العرقي أو الأثني, فكل البشر يعيشون فيها بحرية وكرامة, واكثر من ذلك اشعر هذه الأيام بانه يمكني ان افتخر بكوني عربيا, بوجود مصر بين العرب.

في حوارك الأخير عن السيرة الذاتية قلتَ إن الكاتب قد يضع أجزاءً من حياته داخل الرواية دون أن يعلن أنها سيرته، حتى يترك مساحة للخيال ولا يقع النص في التفسير الحرفي. لو طلبتُ منك أن تشير إلى أكثر شخصية روائية تشبه رجب عطا من دون أن تقول إنها أنت، فمن ستكون؟ وفي أي عمل؟
نعم قلت هذا, وكنت أقصد بأن سياقات أو هندسة النص الروائي هي التي تحدد الشكل الذي تظهر فيه فصول أو مواقف أو ملامح من السيرة الذاتية, وأن الأفضل أن تكتب السيرة الذاتية من الآخرين, لأن الأنسان بطبعه ينحاز لشخصه, فلا يتذكر _مثلا_ إلا مواقف البطولة التي قام بها, ولا يتذكر مواقف الخسة والندالة _مثلا_ طبعا هذا حين نتحدث عن الأدب الروائي.

أما حين نتحدث عن السيرة الذاتية, فهناك من كتبها عن نفسه بنفسه, وهناك من كبتها الآخرون, وحتى “أيام” طه حسين, كانت سيرة ذاتية للرجل, رغم أنه لم يصفها أو لم يقدمها للقراء بهذه الصفة, اما ان اشير لأكثر شخصية روائية تشبهني, فهذا أمر في غاية الصعوبة, لأني _كما قلت_ كتبت بعض الجوانب من شخصيتي هنا وهناك, والأهم اني اعتبر الراوي الخارجي هو بمثابة الكاتب, الذي لا يكتب بعض فوصله الذاتية, ولكن يقدمها وفق وجهة نظره أيضا.

مع ذلك أقول بان شخصية الراوي في “أولاد الجرو” , وفي “عطش البحر” هي قريبة جدا من شخصيتي وانا طفل, فيما كانت شخصية الراوي في “دائرة الموت” اقرب لي وانا شاب, والحقيقة ان رواياتي الأولى, مع “أولاد الجرو” فيها ملامح شخصية, أما معظم رواياتي الآخرى فهي متخيلة تماما, ومنها ما هو كذلك 100%, “حبال الهواء” و “دي إن أيه” و “مقبرة الأحياء” على سبيل المثال.

لديك تجربة شعرية أيضًا، وصدرت لك «حروف بيضاء» و«واو الدهشة» و«صدى الأسئلة»، ويظهر في تجربتك الشعرية تأثر بدرويش ونزار قباني، بينما كنتَ في كتاباتك عن درويش تعتبره أحد بواعث الهوية الفلسطينية. كيف استطاع درويش أن يكون حاضرًا في وجدانك كناقد وروائي وشاعر، من دون أن يتحول حضوره إلى ظل يقيّد صوتك الخاص؟

نعم أنا لم أعشق في حياتي من الشعراء أكثر من درويش أولا ونزار قباني ثاني, الأول بالتزامه الوطني ثم بتميزه وتفوقه, وانا أحب المتفوقين في الابداع, والثاني في جرأته الجندرية, وغنائيته, ولعل عشقي للغناء وأنا صغير, حيث كنت احفظ الأغاني _القصائد لأم كلثوم وعبد الحليم, وكنت أرددها, كما أردد خطابات عبد الناصر, هذه الخلفية شكلت إيقاعي الشعري, حيث تجدين لدي الغنائية, والوطنية واقتحام “المحرمات او التابوهات الثلاث” لأني في الحقيقة أجد الأدب والفن متقدما على الوعي العام, ولا احب منه إلا ما هو جريء وثوري.

وقد بدأ عشقي للشعر وانا طالب ثانوي, بعد ان قرأت شعر المقاومة, ولم يكن الشعر الذي أقرأه في الكتب المدرسية يثير اهتمامي, وظل درويش يرافق تكويني الثقافي, واكتفي به شاعرًا معبرًا عما يجيش في صدري, إلى ،ن توفي, وهنا كانت المفارقة, وهي أن رغم أني حاولت وأنا شاب صغير كتابة الشعر, لكني فشلت, وبدأت بكتابته بعد ان مات درويش, وكيرًا ما كانت احلم به وكانه يقول لي اكتب بلساني, او تابع طريقي, مع ذلك اي مع كونه حفزني على تذوق ومن ثم كتابة الشعر, إلا انه لم يكن قيدا علي, لأنه هو نفسه لم يكن قيدا على نفسه, فكان بتجاوز تجربته باستمرار, وكذلك لأني ايضا كنت اعشق نزار قباني, ثم لأني كنت حرًا بينما كان درويش “مقيدا” بلقب شاعر الثورة أو شاعر المقاومة, المسؤول عن التعبير عن فصولها واحداثها شعريًا.

بعد نحو ثلاثة عقود من الكتابة، ومئات الأعمال بين الرواية والقصة والشعر والمسرح والدراسات وآلاف المقالات، لو وضعتَ تجربتك كلها أمامك الآن وسألتَ نفسك: «ماذا كنتُ أحاول أن أقول طوال هذه السنوات؟» ما الجملة التي يمكن أن تختصر مشروع رجب عطا أبو سرية ؟ وهل ما زلتَ تكتب لأن لديك ما تقوله، أم لأن الصمت بالنسبة لك أصبح مستحيلًا؟

يا له من سؤال يعجز الفلاسفة والسياسيين, باختصار اريد دائما ان أقول بأني ما زلت على قيد الحياة, بأني منحاز للانسانية, للمساواة بين البشر, للعدالة الاجتماعية, فأنا انحاز للشعب الفلسطيني لنه صاحب قضية عادلة, ولو كان غير ذلك لما انحزت له, كذلك أحاول أن أقول دائما بأن منطق الحياة هو الصيرورة والتحول نحو الأفضل, وما زلت مشبعا بمقولة “ناظم حكمت”, أجمل الورود تلك التي لم تتفح بعد, وأجمل الأيام تلك التي لم اعشها بعد, وحتى أني كنت اداعب أصدقائي بالقول, بأن أجمل النساء تلك التي لم ارها او لم احبها بعد, ولو عشت ألف عام, لما توقفت عن “الصعود”, وقد وصفني صديقي المصري الأعز “شعبان يوسف” ونحن شبان جامعيين “بالمتصاعد أبدا” وكنت وما زلت هكذا.

أؤمن بالجدل “الديالكتيك” حتى العمق, واعمل وفق منطقه, ومشروعي الروائي, الذي يحوز على خلاصة تجربتي وعلى جل اهتمامي الآن, بعد أن كان مجرد روايات متناثرة أو حتى متباعدة هنا وهناك, يجمعها الخيط الفلسطيني, بات حاليا مشروعا عظيما, مكون من ثلاث حلقات, بدأت بكتابة أولها قبل عامين, ب “عمارة صهيون” وأتبعتها ب “بندقية ريتا”, ثم “الرفيق السامري” و”السبط الأخير”, و “فدائي في حارة اليهود” اي عدة روايات تفكك عالم العدو الصهيوني, ولا تكتفي بالاشتباك الخارجي معه, أما الحلقة الثانية فهي عدة روايات اتناول فيها العلاقة الداخلية في المجتمع العربي بين الأغلبية القومية العربية والقليات من: كرد, دروز, امازيغ, قبط, وحتى الغجر, والحلقة الثالثة, تناول فيها علاقة العرب بجيرانهم من فرس وترك وافارقة. وعلى هذا نعم لدي ما أقوله, وبنضج وتميز, وأنا لم اصمت يوما, لكني كنت ربما قول بدافع الشجاعة أما اليوم فأضيف لهذا الدافع, دافع الثقة والتمكن بعد ان قبضت على مفاتيح ادوات الكتابة الأدبية بشكل عام, والكتابة الروائية بشكل خاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى