«عمن تبحثين في الضريح أيتها الحقيقة؟».. قصيدة للشاعرة فاتن متولي

في نصٍّ شعريٍّ مثقل بالأسئلة والوجع، تذهب الشاعرة فاتن متولي إلى المناطق الأكثر قسوة في النفس والواقع، حيث تتجاور البراءة مع الخطيئة، والحلم مع الموت، ويصبح الفقر شاهدًا صامتًا على غياب الرحمة. وبين صور شعرية تتأرجح بين العبث والحقيقة، تستدعي الشاعرة طفلًا فقيرًا يحتضنه الرصيف، لتفتح من خلاله سؤالًا أكبر عن الإنسان والضمير والحقيقة التي ما زالت تبحث عن مكانها.
حين احتضن الرصيف طفلًا
تتكلس ابتسامتك،
وأنت تصب لي من إبريق التعاسة كأسين،
لتصب الثالث والرابع،
حتى يتخبطني الشيطان من المس،
فيكون مبررًا…
للخطيئة.
لا تدعني أسقط،
فأنا وحدي
أتصارع معي…
دون كيشوت
يمنعني أن أرتكب حماقته.
يرتاب الناس،
فيرمونني بالفسق،
بالزندقة،
وبالجنون.
يدّعون أن الجن أحدث بي السوء،
حينما أهديت جارتنا ذات مساء
عقدًا من الماس،
لأنها ابتسمت،
فكان القمر بين أسنانها… يبكي.
الشارع…
يمتلئ بأطفال يضحكون،
وهنالك طفل يحتضنه الرصيف،
بلون بالونة الفقر والبؤس اللعين.
سقط كحمامة رقيقة بيضاء،
وتوهج،
كان أكثر جمالًا
وحيوية.
كان يرسل لنا رسالة:
— أنا ألاعب أطفالكم.
الفقراء لا يدخلون النار.
هكذا وعدهم الرب،
فكانت المكافأة!
ما زال الصوت يردد:
«عمن تبحثين في الضريح أيتها الحقيقة؟»
أنبش هنا عن حلم قديم،
تحت رمال البحر الطازجة،
ورائحة اليود المشاكس.
فتاة مموجة الشعر والأفكار،
يمسك بيديها ولد طيب،
يسافران بأحلامهما
على مركب شراعي
من صنع البراءة الأولى.
انتظر…
ما زالت الأحلام معلقة
في وجه فتاة أخرى،
عيناها تبرقان بشعاع المرمر،
ونبض القلب المفعم.
الزمن يمر،
تبكي…
وفي سماء شمس حارقة
لا تعرف الإنصات،
ما زال الصوت يردد:
«عمن تبحثين في الضريح أيتها الحقيقة؟»
في الأعلى،
رجل يمشي في الهواء،
يلوح لنا بسعادة لا نفهمها،
نتعجب كيف فعلها.
تنعكس الإضاءة…
على ذلك الطفل،
بائع البطاطا،
ملقى كأحلامه.
مرحبًا بموت هادئ.
يتسامر الأصدقاء بالطريق،
يلقون نظرة مطولة،
ثم ينصرفون.
الأطفال ما زالوا يلعبون،
وهو كدمية نائمة
يحتضنه الرصيف.
الجميع يجيئون،
ثم يرحلون.
وأمام التلفزيون،
يكملون سهرتهم…
ومساءً،
الخبر يقول:
«طفل يبيع البطاطا بميدان التحرير
قُتل برصاصة مجهول».
وما زال التحقيق مستمرًا.
يمصمصون شفاههم…
مسكين ذلك الصغير.
يتبادلون الدعاء
بأحلام طيبة،
ينطفئ النور…
وما زال الصوت يردد: «عمن تبحثين في الضريح أيتها الحقيقة؟»
لا ينتهي النص عند موت الطفل، ولا يغلق السؤال بإعلان استمرار التحقيق؛ فالمشهد الأشد قسوة ليس موت الصغير وحده، وإنما ذلك الاعتياد المخيف الذي يجعل المارة ينظرون ثم ينصرفون، ويجعل الخبر مجرد فقرة عابرة قبل أن ينطفئ التلفزيون والنور.
تبقى الحقيقة وحدها واقفة أمام الضريح، تنبش عن البراءة التي ضاعت، وعن طفلٍ احتضنه الرصيف بعدما عجز العالم عن أن يحتضنه.




