الناقد أحمد فرحات يكتب: غراميات شارع الأعشى

في رواية”غرميات شارع الأعشى” لبدرية البشر تعالج قضايا الفكرية من خلال مقارنة بين بنات القرى والهجر وبنات المدن، حيث تنتقي الروائية شخصيتين من العنصر النسائي في كلا المكانين، أم متعب التي تمثل الصحراء والقرى والهجر، وعزيزة التي تمثل المدن والتحضر. ومن خلال موازنة بين لشخصيتين يتضح سطوة الحصار المفروض على المرأة، ودخولها في استعراض حوار ونقاش حاد مع الجهة الدينية ممثلة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

مجسدة ذلك في نقاشات وحوارات سردية مثيرة ومشوقة بيد أن الروائية بدرية البشر وظفت رؤيتها السردية من خلف الشخصيات، وبدا ضمير الغائب هو المسيطر على الرؤية السردية برمتها، وليتها وظفت (الرؤية المصاحبة) أو (الرؤية مع) في بعض الشخصيات لتكون أقرب إلى التعبير عن مكنون النفس الإنسانية، فالرؤية المصاحبة تكشف تفاصيل عوالم المرأة بشكل أفضل من الرؤية من الخلف، وحديث النفس للنفس أكثر عمقا في إيصال المشاعر والأحاسيس للمتلقي.

كما أن الروائية رسمت شخصياتها بمهارة وحرفية عاليتين، حتى بدت الرواية متعددة الشخصيات ولكل شخصية أفكارها ومتعتقداتها المميزة لها، سواء في الصحراء والخيام أو في المدن المتحضرة، وبدا المكان أكثر حركة وأشد تفاعلا مع الشخصيات والأحداث. فالقرية في مقابل المدينة، والقاهرة في مقابل الرياض، وهنا تتحدد ملامح الأمكنة عبر سياقات فنية ورسم لوحات من الوصف الفني المثير.

يكتسب المكان في الرواية قيمته الفنية والموضوعية باعتباره وعاء للزمان، حيث يسعى الإنسان من خلالهما ووفق مجموعة من العوامل التي تشكل محيطه النفسي تحقيق شعوره بالتواجد والكيان الفردي الاجتماعي، ويكون المكان نفسه سببلا لنفور الإنسان إذا ما وجد ضيقا في نفسه، وأحس بالرعب فيه، فيبدأ في استشكاف النفس قبل الجسد، وتكمن أهمية المكان وجمالياته في رواية غراميات شارع الأعشى في وصف الشوارع والطرق سواء في البادية أو في المدينة. حتى إنك تشعر بقيمة المكان في وصف البشر لتفاصيل التفاصيل الخاصة بالمكان.  

والزمان أيضا في العمل السردي عند بدرية البشر يرجع إلى ستينيات القرن المنصرم، وسبعينياته أيضا وفي هذه الحقبة من تاريخ المملكة ظهر تياران يتصارعان بقوة، تيار يميل إلى العنف الجسدي بالتعذيب والقتل والإرهاب، وتيار يميل إلى العنف المعنوي إذا جاز التعبير ومنه قضايا المرأة وما تشتمل عليه من معاناة وقهر وغبن لحقوقها. فجاءت رويات البشر دالة على موضوعات الحقبة الزمنية التي وجدت فيها، وبلا شك كان لها تأثير قوي على المجتمع آنذاك.

“أمسك ضاري بشعر مزنة من الخلف، ثم دفعها نحو الأرض فسقطت، أطبق ضاري بيديه على عنق مزنة وراح يضغط  عليها صائحا:

يا بنت الكلب والله لأقتلك!

احتاج ضاري إلى سلاح ليقتلها، فركض إلى المطبخ وعاد يحمل سكينا، شاهده متعب فوقف في وجهه ثم قبض على ذراعة، وشدها فوق رأسه ثم أسنده إلى الجدار بعنف وسحب السكين من يده قائلا:

أنت مهبول؟

قالت مزنة:

ليش تقتلني، وش سويت؟ تزوجت على سنة الله ورسوله. ”

هذا الحوار من رواية غراميات شارع الأعشى، وبتأمل مفرداته نجد أنها تحتوي على أقسى درجات العنف كالقتل والسكين والخنق والضرب والسب .. وكلها تدل على العنف الجسدي للمرأة.

ففي سرد الكاتبة نلحظ نبرة الشعر عالية، ولاسيما عندما تفضي الشخصية بضمير المتكلم الكاشف عن مكنون النفس وهو من النادر في الرواية ولم تعتمد عليه بشكل عام. وتتضح اللغة الشعرية في قولها:  

تقول عزيزة متأملة واقعها الفقير: “أفتح نافذتي على الأرض الخالية جوارنا، وأضواء الشارع البعيد الشاحبة تلمع في غبش التراب فتغبّش الدنيا كلها في وجهي، فيزداد شعوري بأنني رهينة المكان. كأن العالم كله رحل وبقيت أنا وحدي، لا أحد معي، ولكنني رغم الفراغ والوحدة لا أستطيع الخروج من هنا. في الظلام لا يمشي أحد في الحي ولا تقاطع السكون أي ضوضاء. تمنيتُ لو أمدّ يدي ناحية باب المنزل وأخرج، لأول مرة أتحسس حدودي فأكتشف أنها ضيقة جدا.أنظر إلى سور بيتنا المرتفع من الطابق الأول فأشعر أني وسط بئر بجدران مرتفعة. لم لا أخرج ؟… كنتُ في السابعة من عمري آخر مرة مشيت بلا غطاء. منذ ذلك اليوم لم أعد أرى العالم الخارجي إلا من خلف غلالة مسيّجة بالخيوط ورداء أسود، وحين أذهب إلى الجامعة وأركب مع السائق أترك عينيّ تخرجان من تحت لثام، لكن أنفي يظل محشوراً تحت الغطاء يحول بيني وبين أنفاس الطريق.لا بد أن يحجب شيء ما المسافة بيننا“.

وبناء عليه فإن البعد الفكري للشخصية يتجلى في العمل السردي في روايات بدرية البشري من خلال التفاصيل الدقيقة للشخصية، وأحيانا يكون من خلال تفاصيل التفاصيل، وذلك لتقريب الشحصية وما تحمله من حمولات ودلالات وقضايا مهمة عن المرأة العربية عامة والسعودية خاصة. فإنها توظف إمكانياتها اللغوية في رسم شخصياتها حتى تبدو قريبة من الواقع المعيش. ولا نشعر حيالها أننا نقرأ رواية بل نقرأ وقعا حقيقيا تعبر من خلاله الكاتبة عن أفكارها بحرية تامة. وقد تعمدت الكاتبة ذكر بعض السباب والشتائم التي تتعرض لها المرأة كنوع من أنوع العنف الذي يؤدي قد يؤدي إلى ما هو أبعد من الشعور بالضيق والألموالقلق؛ فالعنف اللفظي نظرا لأنه متوطنبالمجتمعات قد يؤدي إلى اختلال التوازن بالعقلالبشري من جراء كثرة التعرض للإيذاء النفسيالناتج عنه، فالعنف اللفظي قد يصنع الجنون عندبعض البشر،بمعنى أن العنف اللفظي هنا أصبحكأداة تحرك عقل البشر ولكن بالسلب.

فما وجهه ضاري إلى أخته يقصد به أن العنفاللفظي كلام منطوق بطريقة همجية لا سلمية قصدإلحاق الضرر عند حدوث مشكلة ما يؤدي إلى إيقاعالأذى الجسمي أو النفسي أو كليهما بشخص أوبجماعة حيث يتخذ العنف اللفظي عدة أشكالكالسب الاستهزاء أو التحقير فيحدث الألم النفسي والمعنوي التي تؤثر سلبا على طريقة تفكير الشخصية وميلها إلى الاضطهاد ولاضطراب حتى تغدو شخصية غير سوية في المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى