العوالي.. كيف تحولت مدينة النفط في البحرين إلى ذاكرة ثقافية تستعيد تفاصيل الحياة القديمة؟

عاد اسم مدينة العوالي في البحرين للظهور من جديد خلال هذه الأيام، وذلك من خلال البرنامج الثقافي الذي تنظمه هيئة البحرين للثقافة والآثار بالتعاون مع مجموعة بابكو إنرجيز، ضمن الفعاليات المصاحبة لمعرض «العوالي» المقام في متحف البحرين الوطني حتى 31 ديسمبر 2026.

حيث تعد مدينة العوالي في البحرين ليست مجرد اسم ارتبط ببدايات صناعة النفط، أو منطقة سكنية نشأت بالقرب من مواقع الإنتاج، بل أصبحت اليوم نافذة تستعيد من خلالها المملكة جانبًا مهمًا من تاريخها الحديث، بما يحمله من تحولات عمرانية واجتماعية وثقافية رافقت اكتشاف النفط وبداية تشكل المجتمع الصناعي.

ونعود للبرنامج حيث يتضمن البرنامج جلسات حوارية وجولات إرشادية وتجارب فنية، تتيح للزوار التعرف إلى تاريخ المدينة وتخطيطها العمراني وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشها سكانها، في محاولة لتحويل التاريخ من وثائق وصور محفوظة إلى تجربة ثقافية حية.

وتطرح هذه المبادرة سؤالًا يتجاوز حدود المعرض نفسه: كيف استطاعت مدينة ارتبطت بنشأة صناعة النفط أن تحتفظ بمكانتها في الذاكرة الوطنية، وأن تتحول مبانيها وشوارعها وحكايات سكانها إلى مادة تستحق التوثيق والاستعادة؟

من اكتشاف النفط إلى تأسيس مدينة العوالي

وترتبط بداية حكاية العوالي بالتحولات التي شهدتها البحرين بعد اكتشاف النفط تجاريًا عام 1932، في منطقة جبل الدخان، وهو الحدث الذي فتح مرحلة جديدة في تاريخ الاقتصاد البحريني، ونقل البلاد إلى مسار مختلف من التطور الصناعي والعمراني.

وقبل ظهور المدينة بصورتها المعروفة، أقيمت مساكن مؤقتة بالقرب من مواقع التنقيب لاستيعاب العاملين في الحقول النفطية، لكنها لم تعد كافية مع اتساع النشاط وزيادة أعداد الموظفين والخبراء الذين استدعتهم الصناعة الجديدة. ومع تنامي الحاجة إلى مجتمع سكني أكثر استقرارًا، بدأت شركة نفط البحرين «بابكو» إنشاء العوالي عام 1934، لتكون مقرًا للعاملين في الصناعة النفطية وعائلاتهم.

وجاء اختيار موقع المدينة على أرض مرتفعة بالقرب من جبل الدخان، بما يتيح إقامة تجمع سكني متكامل قريب من مواقع العمل. ولم تكن العوالي مجرد مجموعة من المساكن التي أقيمت على عجل، بل مشروعًا عمرانيًا جرى تطويره ليضم أماكن السكن والعمل والخدمات والمرافق الاجتماعية والترفيهية.

وتشير وثائق مركز التراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو إلى أن العوالي تعد أقدم مستوطنة نفطية حديثة من هذا النوع في منطقة الخليج العربي، وأن إنشاءها بدأ عام 1934، قبل ظهور عدد من التجمعات النفطية المماثلة في المنطقة بسنوات، كما أدرجت البحرين المدينة على قائمتها الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي عام 2019، باعتبارها نموذجًا عمرانيًا وثقافيًا يعكس مرحلة مبكرة من الحداثة المرتبطة بالنفط.

تخطيط عمراني مختلف عن المدن البحرينية التقليدية

كان تخطيط العوالي أحد أبرز ملامح اختلافها عن التجمعات السكنية التي عرفتها البحرين في تلك الفترة. فقد اعتمدت المدينة على توزيع منظم للمنازل والمباني العامة، مع وجود شوارع واضحة وحدائق ومساحات مفتوحة، في تصور عمراني تأثر بنموذج المدينة الحدائقية والضواحي السكنية الأوروبية.

وضمت المدينة أحياء سكنية متفاوتة في أشكالها ومساحاتها، شملت مساكن للعاملين غير المتزوجين، ومنازل عائلية، وفللًا صغيرة تحيط بها حدائق خاصة. كما تمركزت المباني الإدارية ومكاتب العمل في مواقع محددة، بما يربط بين الحياة السكنية والأنشطة المرتبطة بصناعة النفط.

ولم يقتصر التخطيط على توفير المساكن، بل امتد إلى إنشاء بنية خدمية واجتماعية متكاملة، شملت مستشفى وعيادة للأسنان ومكتبًا للبريد ومتجرًا ومكتبة ومدرسة، إلى جانب مرافق رياضية وترفيهية مثل حمام السباحة وملاعب التنس والكريكيت والنادي الاجتماعي.

وكانت المدرسة التي تأسست عام 1936 من أبرز مظاهر هذا التحول، إذ تشير الوثائق التاريخية إلى أنها كانت أول مدرسة مختلطة من نوعها في المنطقة الأوسع، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع المتعدد الثقافات الذي تشكل داخل المدينة.

كما شهدت العوالي تطورات مبكرة في البنية التحتية؛ ففي خمسينيات القرن الماضي تحسنت مرافقها بصورة ملحوظة، وأصبحت تضم نظامًا مركزيًا للصرف الصحي، إلى جانب نظام تكييف مركزي للمباني السكنية، في تجربة تعكس مستوى التطور التقني الذي ارتبط بالمجتمع النفطي الناشئ.

ولذلك لم يكن عمران العوالي مجرد اختلاف في شكل البيوت والشوارع، بل كان تعبيرًا عن نمط جديد من تنظيم الحياة، يقوم على الجمع بين السكن والعمل والخدمات والترفيه ضمن مساحة عمرانية واحدة.

مجتمع متعدد الثقافات.. كيف عاش سكان العوالي؟

تكتسب العوالي أهميتها التاريخية أيضًا من طبيعة المجتمع الذي نشأ فيها. فقد جمعت المدينة العاملين في صناعة النفط من جنسيات وخلفيات ثقافية متعددة، إلى جانب العائلات البحرينية، لتصبح مساحة التقت فيها أنماط مختلفة من الحياة والعادات والتقاليد.

بينما كان وجود المدرسة والمكتبة والنادي والمرافق الرياضية والمحال التجارية عاملًا أساسيًا في تشكيل الحياة اليومية للسكان، فلم تكن المدينة مكانًا يعود إليه العاملون بعد انتهاء دوامهم فحسب، بل مجتمعًا تتداخل فيه تفاصيل العمل والتعليم والتسوق والأنشطة الاجتماعية والترفيهية.

وتكشف المرافق التي احتضنتها العوالي عن طبيعة الحياة التي عرفها سكانها؛ فالمكتبة أتاحت مساحة للمعرفة والقراءة، والمدرسة أسهمت في بناء جيل يتعامل مع متطلبات مرحلة صناعية جديدة، بينما وفرت الملاعب والنادي والحدائق أماكن للتواصل وقضاء أوقات الفراغ.

كما عكست المؤسسات الدينية والاجتماعية داخل المدينة تنوع مجتمعها، إذ ضمت مسجدًا وكنيسة، إلى جانب مرافق عامة أخرى خدمت السكان، ومع مرور الوقت، لم تبق العوالي مجتمعًا مغلقًا على العاملين الأجانب، بل شهدت تزايدًا في حضور السكان البحرينيين، وتفاعلًا متواصلًا مع المجتمع المحيط بها.

ومن هنا تتجاوز أهمية المدينة تاريخ الشركة التي أنشأتها أو الصناعة التي ارتبطت بها؛ فهي تقدم صورة عن مرحلة تغيرت فيها أنماط السكن والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية في البحرين، مع دخول تقنيات ومفاهيم عمرانية وثقافية جديدة.

المعرض.. من الصور الأرشيفية إلى استعادة تفاصيل الحياة

يمثل معرض «العوالي» المقام في متحف البحرين الوطني محاولة لإعادة قراءة هذه التجربة من منظور تاريخي وإنساني، وليس فقط من زاوية الإنجاز الاقتصادي المرتبط باكتشاف النفط.

وتنظم هيئة البحرين للثقافة والآثار المعرض بالتعاون مع مجموعة بابكو إنرجيز، مستندة إلى مواد أرشيفية وسرديات تاريخية وصور توثق مراحل نشأة المدينة وتطورها، وما شهدته من تحولات في العمارة والبنية التحتية والحياة الاجتماعية.

وتكمن أهمية هذا النوع من المعارض في أنه يعيد تقديم التاريخ من خلال تفاصيله اليومية؛ فالمنزل القديم، والشارع، والحديقة، والمدرسة، والمكتبة، ليست مجرد عناصر معمارية، بل شواهد على حياة أجيال عاشت مرحلة مفصلية من تاريخ البحرين.

كما أن توثيق هذه العناصر يتيح للأجيال الجديدة فهم الكيفية التي انعكست بها صناعة النفط على المجتمع، وكيف تجاوز تأثيرها حدود الإنتاج والاقتصاد ليصل إلى شكل المدن وأنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية.

ويستمر المعرض حتى 31 ديسمبر 2026، بما يمنح الجمهور فرصة للاطلاع على جانب من الذاكرة العمرانية والاجتماعية للبحرين، والتعرف إلى العوالي بوصفها إحدى المحطات الأساسية في تاريخ التحول الحديث بالمملكة.

الجولات الإرشادية.. المدينة تُروى من خلال شوارعها وبيوتها

لا تتوقف أهمية البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض عند عرض الوثائق والصور، إذ تمنح الجولات الإرشادية الزوار فرصة لاكتشاف العوالي من زوايا متعددة، وربط المعلومات التاريخية بالتفاصيل المكانية التي صنعت شخصية المدينة.

وبحسب البرنامج الذي أعلنته هيئة البحرين للثقافة والآثار، تتناول الجولات مراحل نشأة العوالي وتطورها في سياق صناعة النفط، مع تسليط الضوء على تخطيطها العمراني وعمارتها وجوانب من الحياة اليومية لسكانها.

ومن بين الفعاليات جولة تصوير بعنوان «ما بقي في مكانه» يقدمها إسحاق مدن، وجولة «العوالي عن قرب» مع علي كريمي، إلى جانب جولة للرسم تنظمها مجموعة «سكيتش ووك» لاستكشاف البيوت والشرفات والحدائق والشوارع والملامح المعمارية للمدينة.

وتمنح هذه الأنشطة الزائر فرصة للتعامل مع المكان باعتباره وثيقة تاريخية مفتوحة؛ فالتصوير يرصد ما بقي من ملامح الماضي، والرسم يعيد النظر في التفاصيل المعمارية التي قد تمر دون انتباه، بينما تساعد الجولات الإرشادية على فهم العلاقة بين تصميم المدينة وطبيعة المجتمع الذي عاش فيها.

ويتضمن البرنامج كذلك جلستين حواريتين؛ الأولى بعنوان «العوالي وتشكل الحداثة»، بمشاركة الدكتورة وفاء الغتم، الأستاذة المساعدة في قسم العمارة والتصميم الداخلي بكلية الهندسة في جامعة البحرين، لمناقشة المكانة المعمارية والعمرانية للمدينة ودورها في تشكل البحرين الحديثة.

أما الجلسة الثانية فتحمل عنوان «العوالي في الأرشيف»، بمشاركة ستيڤ ليڤر، أمين الأرشيف لدى مجموعة بابكو إنرجيز، وتتناول رحلة توثيق تاريخ المدينة وحفظ موادها التاريخية.

وتكشف هذه الفعاليات عن توجه يتجاوز تقديم المعلومات للزوار، إلى إشراكهم في اكتشاف الذاكرة وتفسيرها، وهو ما يمنح المعرض بعدًا تعليميًا وثقافيًا أوسع.

الطعام أيضًا جزء من الذاكرة الاجتماعية

ومن التفاصيل اللافتة في البرنامج الثقافي استعادة جانب من المطبخ الذي ارتبط بالحياة الاجتماعية في العوالي، إذ يقدم مقهى دارسين في متحف البحرين الوطني قائمة خاصة تضم أطباقًا ومأكولات عُرفت بها مقاهي ومطاعم المدينة عبر تاريخها.

وتستحضر هذه التجربة تقاليد الطعام واللقاءات الاجتماعية التي شكلت جانبًا من يوميات السكان، وتؤكد أن الذاكرة لا تتكون من المباني والصور والوثائق وحدها، بل تشمل أيضًا العادات والتقاليد والأذواق والتفاصيل الصغيرة التي ارتبطت بحياة الناس.

فالمقهى أو المطعم ليس مجرد مكان لتناول الطعام، بل مساحة للقاء والتواصل وتبادل الحكايات، ومن ثم فإن إعادة تقديم أطباق ارتبطت بتاريخ العوالي تفتح طريقًا مختلفًا لاستعادة ماضي المدينة، من خلال تجربة حسية قريبة من الجمهور.

العوالي.. ذاكرة وطنية تتجاوز حدود المدينة

إن استعادة تاريخ العوالي اليوم تحمل أهمية تتجاوز الاحتفاء بمدينة قديمة أو إبراز نموذج معماري مميز؛ فهي تتيح قراءة جانب من التحولات التي أعادت تشكيل البحرين خلال القرن العشرين، منذ اكتشاف النفط وحتى نشوء أنماط جديدة من العمران والعمل والتعليم والحياة الاجتماعية.

كما أن إدراج العوالي على القائمة الإرشادية المؤقتة لليونسكو يعكس القيمة التاريخية والعمرانية التي تمثلها، باعتبارها نموذجًا مبكرًا للمستوطنات النفطية في الخليج، وما صاحبها من تأثيرات في التخطيط الحضري والثقافة والمجتمع.

لكن الحفاظ على هذه الذاكرة لا يتحقق بمجرد عرض الصور القديمة أو تنظيم الفعاليات المؤقتة، بل يحتاج إلى استمرار توثيق المباني والوثائق والروايات الشخصية، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف إلى تاريخ المكان وسكانه.

ومن هنا تبرز قيمة معرض العوالي والجولات المصاحبة له، فهما يعيدان تقديم المدينة باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية، ويمنحان الزوار فرصة لاكتشاف كيف بدأت ملامح الحياة الحديثة في البحرين تتشكل حول صناعة النفط.

وبعد أكثر من تسعين عامًا على انطلاق أعمال بنائها، لا تزال العوالي تحمل في شوارعها ومنازلها ومرافقها حكاية مرحلة كاملة من تاريخ المملكة، مرحلة لم يتغير فيها مصدر الدخل فقط، بل تغير معها شكل المدينة وطبيعة المجتمع وتصور الناس للحياة الحديثة، وهكذا تتحول العوالي من مدينة ارتبطت بإنتاج النفط إلى مساحة تحفظ ذاكرة البحرين وتروي للأجيال قصة التحول الذي صنع جانبًا مهمًا من حاضرها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى