الناقد أحمد فرحات يكتب: شاعر فقيه
كان القدماء يرحبون بميلاد شاعر في القبيلة، و “كان الشاعر في الجاهلية إذا نبغ في قبيلة ركبت العرب إليها فهنَّأتها به؛ لذبِّهم عن الأحساب، وانتصارهم به على الأعداء، وكانت العرب لا تهنِّئ إلا بفرس مُنْتَج، أو مولود ولد، أو شاعر نبغ”
واليوم نحن في أمس الحاجة إلى شاعر يتغنى بآلآم العباد ويصف على لسانها المعاناة التي تعاني منها الناس، فيعالج ما حاك في الصدر، وينير أمامهم الدرب، ويجلي الحقائق و يذب عن العرض.
لم أتعرف إلى دكتور محمد المقرن إلا من خلال مطالعاتي الذاتية فاكتشفت فيه روح الشاعر الحق ، يبني بقلمه ما انهد في نفسي فوجدت بالبحث ديوان “أُحدّثُ الليلَ” عن دار الميمان بالرياض فأصغيت إلى قوله، وأردت أن يتعرف إليه القراء من خلال هذه المقالة الصغيرة :
وكتمْتُ آلام الحنين فأفصحَتْ
عيني وأنطقها الفؤادُ بأدمعي
الكلُّ يسمع في الوداع حنيننا
لكنّ أصدقه الذي لم يُسمعِ
ورجوتُ عيني أن تكفّ دموعها
يومَ الوداعِ نشدتُها لاتدمعي
أغمضتُها كي لاتفيضَ فأمطرت
أيقنتُ أنّي لستُ أملك مدمَعي
ورأيتُ حلماً أنني ودَّعْتُهم
فبكيتُ مِن ألم الحنين وهُم معي
مُرٌ عليَّ بأن أُودّعَ زائرًا
كيفَ الذين حملتُهُم في أضلُعي ؟!
ولعل البيت الأخير فيه من روح المتنبي وشغفه عندما قال:
أَشَدُّ الغَمِّ عِندي في سُرورٍ
تَيَقَّنَ عَنهُ صاحِبُهُ اِنتِقالا
هذه الأبيات تقوم على مفارقة شعورية شديدة التأثير بين محاولة كتمان البكاء واستحالته، وبين الوداع العابر والوداع الذي يمسّ أعماق الوجدان.
الفعلان «رجوت» و«نشدتها» يكشفان عن حوار داخلي بين الشاعر وعينه؛ فهو يتعامل مع عينه كأنها كائن مستقل يستطيع أن يطيع أو يعصي.
فالإغماض، الذي يفترض أن يكون وسيلة لمنع الدمع، يتحول إلى سبب في تفجّره. وهنا تتشكل مفارقة واضحة: كلما حاول الشاعر السيطرة على الحزن ازداد الحزن انهمارًا. كما أن عبارة «لست أملك مدمعي» تنقل التجربة من مجرد بكاء إلى العجز أمام العاطفة؛ فالدمع لم يعد فعلًا إراديًا، وإنما أصبح أقوى من إرادة صاحبه.لأجل ذلك وجدتني مشدودا إلى كمية الحنين النابع من تجربته الذاتية التي سرعان ما تحولت إلى عامة لجريانها على الألسن وانخراط ألفاظها وتراكيبها في بناء تصاعدي واضح من كتمان الدمع إلى عجز الذات عن التحكم فيه.
والذي شدني أكثر إلى تجربته الشعرية سيرته الذاتية، فهو فقيه شاعر، أو شاعر فقيه: الدكتور محمد بن عبد الرحمن بن سعد المقرن، شاعر ومؤلف سعودي، وأستاذ جامعي ولد سنة 1978م،نال البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض بتقدير ممتاز في الفقه المقارن. مناصب تقلدها: قاضٍ في المحكمة العامة بالرياض. مستشار قضائي بالمجلس الأعلى للقضاء. أستاذ جامعي متعاون في الدراسات والقانون في عدد من الجامعات. صدر للشاعر ثلاثة دواوين مطبوعة بالإضافة إلى قصيدتين تدرس في منهج الأدب في مدارس المملكة العربية السعودية: الدواوين هي: مليكة الطهر. أنشودة الخريف.أحدث الليل.
فأحببت أن أسير مع شعره وأنا أضع في ذهني أنه فقيه، وويل للشعراء الفقهاء من الحنين والحب والشوق !!
غابَ عني الوصفُ إلا كلمة
قلتها في وَلَهٍ: ما أجملكِ!
اعذريني كل ما أملكه
أنني أذكر ربا أبدعكِ
وهنا.. قد تجاوز الشاعر وصف المخلوق إلى ذكر الخالق، وفي قوله (في وله) تجعل (ما أجملك) صادرة عن انفعال لا عن وصف عقلي بارد.
وقال :
قالت عذرا يا أستاذي
أحجابي مسّك بأذية؟
قال رسبت! فهيا انصرفي
لن تنجح بنت رجعية!
عاد الأستاذ لمقعده
كي يكمل درس (الحرية)!
وهو نص قصير يشبه الومضة يقوم على مفارقة ساخرة واضحة؛ إذ يضع مفهوم «الحرية» في مواجهة ممارسة القمع والإقصاء. فهنا تتولد المفارقة الدرامية؛ فالأستاذ الذي يدرّس «الحرية» هو نفسه الذي يحرم الطالبة من حقها في الاختيار، بل يجعل حجابها سببًا لإسقاطها. ووضع كلمة «الحرية» بين قوسين يزيد من السخرية، لأنها حرية معلنة نظريًا، لكنها غائبة عمليًا.
وقال:
لما رأيتك أورقت
أغصان قلب مجهد
لقياك ميلاد الهوى
مازال عطرك في يدي
وهنا تتجلى الذات الشعرية على ذات القاضي الفقيه فالأبيات تحمل صورة وجدانية رقيقة تقوم على مفارقة جميلة: القلب كان «مُجهدًا»، ثم أعاد اللقاء إليه الحياة، كما أن العطر يحوّل لحظة اللقاء إلى أثرٍ باقٍ بعد انتهاء اللقاء.يرى الشاعر الفقيه أنه يمتلك وعيا قويا، يمتلك عينا مجهرية ترى أدق التفاصيل التي لا ينتبه إليها أحد، يلاحظ تغيير نبرة الصوت، ويرى النهايات بوضوح. يقرأ برود الرسائل وحرارتها، ويفهم المعنى المخفي في العلاقات، فقضيته قضية وعي وإحساس رفيع، ينطلق من خلاله إلى كشف العلاقة حقيقتها وزيفها. يرى الشوق والحنين هما أصدق من ألف كتاب مقروء، أو شخص يتقرب من وده فيلحظ زيفه وحقيقته معا.
يقع الشاعر تحت تأثير مثالية مفرطة، ويؤمن أن قول الحقيقة سوف يقربك من الله؛ أما الناس فلا تحب قول الحقيقة بل تحب وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام. منذ القدم والبشر لا تعاقب إلا من يقول الحقيقة فإذا أردت البقاء مع الناس شاركها أوهامها. الحقيقة يقولها من يرغب في الرحيل! فالشاعر يقر بأنه : ليس صالحا بما يكفي ولكنه يخشى الله. لم يكن الحظ يوما معه بل كان معه الله، لا يخذل الله عبدا بكى واشتكى ثم حنا رأسه ودعا.
اقرأ ايضا:


