الناقد أحمد فرحات يكتب: اللقاء الأخير
د. أحمد فرحات
يمثل ديوان اللقاء الأخير للشاعر شعبان محمد البنا عتبة كبرى لأوجاع الفرد المنتظم في جماعة. تعاني الذات الشاعرة في هذا الديوان معاناة أليمة، وجع العقوق الذي استشرى بين أبناء الأسرة الكبيرة، ولذا نراه يهدي نصه الشعري برمته إلى أسرته الصغيرة ابنته وزوجه، ومن ثم يكون لدينا تفرقة من نوع خاص بين النص الأدبي- كالرواية أو الديوان أو القصة أو مسرحية – أي العمل الأدبي المطبوع أو الشفهي أو المسموع أو المرئي بينما النص هو الخصائص والمنهجية التي تختص خطابات النصوص كما يرى بارت.
هذا الديوان كوة يرى من خلالها الشاعر عالمه الفسيح، فهو يرفض الإسقاط من الخارج لأنه ينتج دلالات مفتوحة على الخارج، والقارئ/الناقد هنا يرى دلالات النص الخارجية داخل النص بصفتها جزءا من ماهيته، وليست جزءا من ماهية الخارج فالشاعر عندما يتمثل قول أحدهم:
(أكاد مما أرى في الناس أرتاب
فبعضهم ظالم والبعض كذاب)
وهو بيت شعري تمثله الشاعر من الخارج ليصير جزءا من ماهية القصيدة وهذا ما أثار فيه حفظيته الشعرية لينتج دلالات شتى تدور كلها في فلك البيت الخارجي فيقول:
وليس كل وحوش الغاب نحذرها
ولابن آدم أظفار وأنياب
وربما افترس الإنسان صاحبه
لا يتقيه فإن الطبع غلاب
ومن هذه الكوة الصغيرة يتأمل الكون فيرى جرحا يمور في الحنايا، يتعذب كبده لينسج حلما جميلا للآخر:
من كوة الحلم الجميل
وبيننا ما بيننا
طول المسافة بين قلبك
مفعم بالحب
وبين جرح في الحنايا
يستحل النبض
في كبدي
ويبدو أن هذه الكوة الصغيرة مغلفة بالحزن المغلف بالتصنع والتجمل فيحذر من خيانة بعض الناس، واستسهال القيم المغلفة بالوقار والحشمة. وما هي إلا عفونة تسكن قلب الأشياء من الداخل فينبري لسانه معلنا العصيان والتمرد على هذه السلعة الرخيصة فيقول:
يا صاحبي.. من كوة الحزن المغلف بالتصنع والتجمل
عندما مد الظلام ذراعه ما بيننا
وتلقفتنا كف عاهرة
في موطن فيه الجواب
يجيء من فم من يرد
بلا سؤال؟
وهذا ما جعله يطلق صرخته المدوية في وجه من خان..
لم يبق من جلد لدي سوى
خيار واحد عندي. مباركة الجمال
يشير الديوان إلى الميتاشعر، ويؤرقه الشاعر في وحدته وانفراده بالهموم تحيط به من كل جانب، يعاني من الواقع ما يعاني، فيلوذ إلى المدامع فياضة تنهمر. فيقدم البنا كتلة نصية حارقة، يذيب صداها جبال الهموم الجاثمة فوق كلكله.
وحيدٌ لو ازدحم السامرُ فريد لو اصطخب المعشر
شريدُ الرؤى دون أترابه كمن خشَّ أحناءه خنجر
تفيض خيالاته فرحة ويسحقه الواقع الأغبر
كثير ُالمدامعِ جمُّ الأسى وقد هاله الزمنُ الغادر
والنص هنا يبث إشعاعات ممكنة إذا ما قرأناه من الداخل، ثم اكتشاف المعنى المباشر، والمعنى غير المباشر، أو ما وراء النص. سنجد أننا مضطرون لمعرفة هذا الضياع والتشتت من الشاعر فما السبب الحقيقي لإثارة القول وتنفيذه بالفعل على الشكل والهيئة التي برز فيها.
وحيدٌ أحب وما للحبيب
صفات الصفوح الذي يغفر
هنا تنكشف الرؤية، ويصير الخارج ذريعة للاستعانة به من أجل تنوير النص، وكشف رؤاه.
الشاعر في هذا النص إنسان غفل، طري العود، يرى في محبوبة وطنا يسكن فيه، فإن وهبه لمسة أو نظرة فقد تجاوز حد التمني، وإن تعذر فقد بات يشكو. ولذا وجدناه يجأر ويقول:
رمتني عيونُ المها بالهوى وما لي سواها التي أنظر
وكل امرئ في الهوى فاجر وأين الفتى الذي يحذر
وهنا تبدو هشاشة القلب ورقته عندما يتمكن الحب منه!
التجربة الجديرة بالاهتمام في شعر شعبان البنا هي تجربة الرثاء، ولا أود أن أتناولها من الداخل بقدر ما أود تناولها من الخارج.
الرثاء فن قديم قدم الشعر العربي ذاته، رثاء البنا كان كلاسيكيا يتبع فيه خطو القدماء شكلا ومحتوى.
ماتت أمه الفاضلة فرثاها بعد أربعين عاما وقال:
لك الرحيل ولي ليلي وأحزاني
أخب فيه غريبا بين أخداني
الأربعون خلت يا أم تجحدني
صوادحُ الطير تشدو فوق أغصاني
الشاعر هنا يعبر عن عجزه بالكلمات عن مدى حبه لوالدته، لأنه في الأصل عندما تعجز الكلمات يكون عناق الأم قد قال كل شيء، وهو الآن فقد العناق والرفاق والوفاق. فهو رسم صورة سوداوية للمرء الذي يسعى عبثا مع واقع لا يعكس حقيقة ذاته. فيمضي العمر، وتمضي السنون تتناثر مثل غبار على طريق لا يؤدي إلى أي مكان. فالبكاء هنا ليس على الأم وحدها بل على وطن بأكمله يباد، وتباد أطفاله أمام شاشات العرض، وعلى أمة بكاملها تندثر أو تكاد تحت وطأة العدو. أو حتى على طفلة صغيرة من فلسطين. فيقول عنها:
عميق جرحك يبدو في مآقيك
لو كنت أملك دمعا كنت أبكيك
يغلب على الديوان برمته نغمة الحزن الشديد والتشاؤم المر، والبكاء المتناثر عبر الصفحات وهو في جوهره قطرات دمع على جبين الواقع. ليبقى المتخيل أشد وثوقا من واقع مهترئ.
ومن هنا نلمس طرف الخيط حيث العتبة الكبرى للديوان (اللقاء الأخير) حيث تتجلى كتابة النهايات في صورة الرثاء الحزين. قديما أجاب أعرابي عن سؤال: لماذا تعد المراثي من أشرف أشعار العرب فقال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق!
ويذكر المهتمون بالرثاء العربي أن الرثاء في بداياته مجرد نياحة كالتي نجدها عند النساء من أقرباء الميت، قبل أن تصبح المراثي علامة فارقة في ديوان الشعر العربي. ولكنها كانت نياحة ذات بعد ديني وكلمات بسيطة خالية من الوزن. بل وسموا الرثاء بأنه في أصله تعويذات للميت حتى يطمئن في قبره.
فالأفكار الدالة على القتامة والحزن في الديوان ليست شيئا يقطن الرأس. إنها احتلال –حرفي- لكل أنحاء جسد الشاعر شعبان البنا ؛ إنها تتدفق من عيونه، وتردد صدى كلام القلب حتى تغدو ظلالا لأفكاره.



