حسين عبد العزيز يقرأ «ولنا في الغيب؟!».. رشا الخطيب تكتب الشعر بوعي الفيلسوف

بقلم: حسين عبد العزيز

لا بد أن نقول، قبل أن نتوجه إلى ديوان الشاعرة رشا الخطيب، إن الموهبة وحدها لا تصنع مبدعًا، كما كان يظن البعض قديمًا، ولا كما يظن آخرون اليوم، فكثيرون يمتلكون الموهبة، ويكتبون نصوصًا تبدو جميلة في ظاهرها، لكنها تفتقد ذلك العنصر الجوهري الذي يمنح الإبداع قيمته الحقيقية، وهو البعد الفلسفي والمعرفي.

وقال حسين عبد العزيز فالموهبة في ذاتها لا تكفي، لأن العمق الثقافي هو الذي يحرك المبدع نحو إنتاج نص مختلف، قادر على تجاوز المباشرة والسطحية،إنه يمنحه القدرة على بناء عالم شعري متماسك، فلا يتحول النص إلى مجرد كلمات متجاورة، أشبه بلبن منزوع الدسم، أو وجبة سريعة قد تشبع للحظة لكنها لا تترك أثرًا في الذاكرة.

ولهذا أرى أن المبدع الحقيقي لا بد أن يكون قارئًا نهمًا في مختلف مجالات المعرفة؛ لأن الثقافة تنعكس على شخصياته، وصوره، وأفكاره، حتى لو كان بطله خارجًا على القانون كما في «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، أو باحثًا عن معنى الوجود كما في «الطريق». فالبطل الحقيقي هو صاحب سؤال، والسؤال هو بداية كل معرفة.

حسين عبد العزيز يقرأ «ولنا في الغيب؟!»

وعندما نطالع الغلاف الثاني للديوان، وتحديدًا في الصفحة الثالثة، نجد العنوان «ولنا في الغيب؟!»، وأسفله عبارة «ديوان شعر نثر».

وقال حسين عبد العزيز : هنا أتوقف قليلًا، لأؤكد أن القارئ لا يعنيه كثيرًا تصنيف العمل الأدبي، ولا شكل القصيدة، ولا البحر، ولا القافية، بقدر ما يعنيه ما يقدمه النص من متعة جمالية وفكرية، فالقيمة الحقيقية للنص لا تقاس بتصنيفه، وإنما بقدرته على الإدهاش وإثارة الأسئلة وخلق الدهشة.

والآن، وقد مهدنا الطريق، وغرسنا الأشجار، وأشعلنا مصابيح القراءة، يحين الوقت للدخول إلى الديوان. فالقراءة، شأنها شأن السير في أرض ملغومة، تحتاج إلى بصيرة، حتى لا يتحول القارئ إلى شظايا من سوء الفهم.

تقول الشاعرة:

من يجرؤ على الغناء
وقد أعلن الحجاج توا الكل متهما
والصمت فرض عين
لعين حمئة

ثم تواصل في القصيدة ذاتها:

لم يترك عباءته العربية
في متحف اللوفر
أو عقاله على رأس تمثال الحرية
ولم يحلم بتلك العواطف الساخنة
خلف سور الأزبكية
والحب الضائع
بين القصرين

هنا تبني رشا الخطيب قصيدة لا تمنح القارئ فرصة للملل، بل تدفعه إلى البحث عن القصيدة التالية، حيث تتوالى الصور الشعرية والرؤى العميقة التي تجعل القراءة رحلة ممتعة ومفتوحة على التأويل.

ورغم بساطة اللغة وسلاستها، فإن النصوص تحمل طبقات متعددة من المعنى، وتحتاج إلى قارئ يمتلك رصيدًا ثقافيًا يتيح له النفاذ إلى ما وراء الكلمات.

وتتجلى هذه الرؤية بوضوح حين تقول:

لن أبالي إذا كان لهذا الصمت
أو الجحيم أسماء لفظتها القواميس،
تركتها غابات أفريقيا
لآكلي لحوم البشر.

إنها صورة دستوبية قاتمة، تكشف عالمًا يهيمن عليه الخوف والصمت، وتوظف مفرداتها لتقديم مشهد إنساني بالغ القسوة، لكنه في الوقت نفسه شديد الشعرية.

لقد نجحت الشاعرة في أن تفرض ثقافتها وموهبتها على القارئ، فلم يعد يبحث عن نهاية القصيدة، بل أصبح يبحث عن بداية قصيدة جديدة. وبين كل نص وآخر، يشعر القارئ أن هناك أسئلة مؤجلة، وأبوابًا لا تزال مفتوحة، وهو ما يمنح الديوان خصوصيته ويجعله تجربة تستحق التأمل.

وتابع حسين عبد العزيز : فـ«ولنا في الغيب؟!» ليس مجرد ديوان شعر نثر، بل هو محاولة جادة لقراءة الواقع من خلال لغة شعرية تمتلك حسًا فلسفيًا، وتستند إلى ثقافة واسعة، ورؤية إنسانية تجعل من النص مساحة للتفكير قبل أن يكون مساحة للبوح.

يقدم ديوان «ولنا في الغيب؟!» تجربة شعرية تنتمي إلى قصيدة النثر الحديثة، لكنها لا تعتمد على الشكل وحده، بل على عمق الفكرة وجمال الصورة واتساع الأفق الثقافي، ومن خلال هذه القراءة، يؤكد الناقد حسين عبد العزيز أن الإبداع الحقيقي لا يقوم على الموهبة وحدها، بل على المعرفة، والقدرة على تحويل الثقافة إلى نص حي يثير الدهشة، ويمنح القارئ متعة الاكتشاف في كل قراءة جديدة.

وبعد عرض حسين عبد العزيز ، يشار إلى أن رشا الخطيب شاعرة مصرية تنتمي إلى جيل الأصوات الشعرية التي راهنت على قصيدة النثر بوصفها فضاءً للتأمل الإنساني والفلسفي، واستطاعت عبر نصوصها أن تمزج بين الحس الشعري والبعد الفكري، مقدمة تجربة تتجاوز البوح الشخصي إلى طرح أسئلة الوجود والهوية والواقع.

تتسم كتاباتها بلغة مكثفة وصور شعرية عميقة، مع اعتماد واضح على الرمزية والتناص والإحالات الثقافية، وهو ما منح أعمالها حضورًا لافتًا لدى القراء والنقاد. ويأتي ديوانها «ولنا في الغيب؟!» ليعكس هذه الرؤية، حيث تتداخل فيه التجربة الذاتية مع الهم الإنساني في نصوص تفتح المجال أمام التأويل وتدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى