الناقد أحمد فرحات يكتب: خرفان

قصة خرفان بانورج هي حكاية رمزية شهيرة للكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه، وأصبحت رمزًا عالميًا لما يُعرف بـ”عقلية القطيع“.

كان بانورج مسافرًا على متن سفينة، وعلى السفينة نفسها تاجر أغنام جشع يُدعى دندونو. نشب شجار بين الرجلين، فقرر بانورج أن ينتقم من التاجر بطريقة ذكية.

اشترى بانورج أكبر خروف في القطيع بثمن مرتفع، ثم حمله وألقاه في البحر. وما إن سقط الخروف حتى قفزت بقية الخراف وراءه واحدًا تلو الآخر؛ لأنها اتبعت قائدها دون تفكير.

حاول التاجر إنقاذ قطيعه، لكنه سقط في البحر مع خرافه وغرق. .

أصبحت عبارة “خرفان بانورج” تُستخدم للدلالة على:

التقليد الأعمى، والانسياق وراء الجماعة دون تفكير أو نقد. ومن ثم غياب الاستقلالية في اتخاذ القرار، كما أدت إلى
خطورة سلوك القطيع في المجتمع والسياسة والثقافة.

ولهذا تُستحضر القصة كثيرًا في الدراسات النفسية والاجتماعية والنقد الثقافي بوصفها مثالًا على أن الأفراد قد يقلدون الجماعة حتى لو كان ذلك يؤدي إلى الهلاك.

وقد وُجِّهت إلى قصة خرفان بانورج عدة انتقادات أدبية وفكرية، من أبرزها:

رأى بعض النقاد أن القصة تعتمد على رمز واحد واضح هو “عقلية القطيع”، مما يجعلها مباشرة في دلالتها ويقلل من تعقيدها الفني.

كما انتُقدت لأن تصرف الخراف بالقفز جميعًا إلى البحر يبدو غير واقعي، وإن كان المؤلف يقصد به بناء رمز ساخر لا تصويرًا حرفيًا للواقع.

هذا وقد اعتبر بعض النقاد أن القصة تجعل انتقام بانورج يبدو مشروعًا أو ذكيًا، مع أن نتيجته كانت موت التاجر وخسارة قطيعه، مما يثير إشكالًا أخلاقيًا.

وقد رأى بعض الدارسين أن تشبيه الناس بالخراف قد يكون تبسيطًا مخلًا؛ فالسلوك الإنساني أكثر تعقيدًا من مجرد التقليد الأعمى.

تنتمي القصة إلى أدب السخرية عند رابليه، وقد رأى بعض النقاد أن سخريته حادة إلى درجة تُغلِّب التهكم على البعد الإنساني للشخصيات.

ومع ذلك، فإن معظم الدراسات الحديثة لا تنظر إلى هذه النقاط بوصفها عيوبًا فنية بقدر ما تعدها جزءًا من أسلوب فرانسوا رابليه القائم على المبالغة والرمز والسخرية اللاذعة. لذلك بقيت قصة خرفان بانورج من أشهر الأمثلة الأدبية التي تُستشهد بها في النقد الثقافي وعلم النفس الاجتماعي لتفسير ظاهرة “عقلية القطيع”، وما زالت تحتفظ بقيمتها الرمزية حتى اليوم.

يمكن قراءة قصة خرفان بانورج من زوايا نقدية متعددة أخرى، وفيما يلي أبرزها:

أولًا: النقد الاجتماعي حيث يركز النقد الاجتماعي على علاقة النص بالمجتمع وسلوك أفراده. تكشف القصة عن ظاهرة الامتثال للجماعة؛ فالخراف تتبع بعضها بعضًا دون تفكير، في إشارة إلى أفراد المجتمع الذين يقلدون الآخرين دون وعي. القصة تنتقد سلطة القيادة؛ إذ إن الجماعة قد تنقاد وراء قائدها حتى لو قادها إلى الهلاك. تفضح الجشع والطمع ممثلًا في التاجر الذي كان همه الربح، فكانت نهايته نتيجة تمسكه بمصالحه. تدعوالقصة إلى الاستقلال في التفكير وتحمل المسؤولية الفردية بدل الانسياق وراء الأغلبية.

ثانيًا: النقد البنيوي

يهتم النقد البنيوي بدراسة العلاقات الداخلية للنص بعيدًا عن مؤلفه أو ظروفه التاريخية. تقوم القصة على ثنائية واضحةالدلالة مثل:العقل/ التقليد، أو ثنائية الفرد /الجماعة. أو ثنايئة الحياة / الموت.

الحبكة محكمة وقائمة على تسلسل سببي، والشخصيات تؤدي وظائف سردية أكثر من كونها شخصيات نفسية:

بانورج: المحرك للأحداث. التاجر وهو الخصم.
الخراف التي تمثل العنصر الرمزي الذي يحقق العقدة.

تعتمد النهاية على المفارقة؛ إذ يتحول فعل صغير (إلقاء خروف واحد) إلى كارثة كبيرة.

ثالثًا: النقد الثقافي

يهتم النقد الثقافي بكشف الأنساق الثقافية المضمرة داخل النص. ويكشف النص نسق الطاعة العمياء بوصفه قيمة ثقافية قد تتحكم في الجماعات.  وينتقد ثقافة القطيع التي تلغي العقل الفردي وتُخضع الأفراد لسلطة الجماعة.

القصة تبرز نسق السلطة؛ فوجود قائد يتبعه الجميع يعكس آليات الهيمنة داخل المجتمعات. ويفضح الثقافة الاستهلاكية والجشع من خلال شخصية التاجر. يمكن قراءة الخراف بوصفها رمزًا للجماهير التي تُقاد بالدعاية أو العاطفة أو التقليد، وهي قراءة جعلت القصة تُستدعى كثيرًا في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية والإعلامية.

ولهذا تُعد قصة خرفان بانورج نموذجًا أدبيًا غنيًا، إذ تتجاوز كونها حكاية ساخرة لتصبح نصًا رمزيًا قابلًا لقراءات اجتماعية وبنيوية وثقافية متنوعة.

المجاملات الزائفة غالبا ما تكون طعما للاستغلال لا دليلا على التقدير . والكلام المعسول ليس وساما لتقدير شخصك بل هو مجرد ثمن مؤقت ومقدم لاستنزاف صحتك وطاقتك وعمرك وبمجرد أن تنتهي حاجتهم إليك سيتجاهلونك كأنك لم تكن.

أخطر سم في الوجود هو المحيط السلبي..فعندما يحيط بك أشخاص سلبيون استسلموا للفشل أو مجتمع يحارب كل من يحاول أن يتقدم ستبدأ في رؤية أحلامك مستحيلة،وستفقد ثقتك بنفسك، وتتوقف عن المحاولة،مهما كان طموحك..

لذلك غيّر محيطك إذا كان لا يشبهك. وابتعد عمن يحطم ثقتك بنفسك ولو كان من أقرب الناس إليك. وصاحب من يشجعك ويؤمن بقدراتك ويدفعك إلى الأمام. وتذكر دائما لا تنتظر أن يتغير القطيع بل اخرج أنت من الحظيرة؛ وازأر بأعلى صوتك فمكان الأسود ليس بين الأغنام!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى