هدى سلطان من «وحش الشاشة» إلى «فاطمة تعلبة»: حكايات امرأة صنعتها الشاشة وسبقها إليها بيتها

توافق 15 أغسطس ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة هدى سلطان، التي ولدت عام 1925، ورحلت في 5 يونيو 2006، لكنها تركت وراءها واحدة من أكثر التجارب الفنية ثراءً في تاريخ السينما والدراما المصرية. وبعد مرور عقدين على رحيلها، يبدو أن سر بقاء هدى سلطان لم يكن في عدد الأفلام التي قدمتها فقط، وإنما في قدرتها النادرة على تحويل الشخصيات التي لعبتها إلى نماذج إنسانية تشبه الناس وتعيش بينهم.

ولعل الزاوية الأهم في تجربة هدى سلطان أن الجمهور يتذكرها اليوم بوصفها «فاطمة تعلبة» أم الأسرة المصرية في مسلسل «الوتد»، بينما جاءت هذه المرحلة في الحقيقة بعد سنوات طويلة من النجومية السينمائية، وبعد تجربة مختلفة تمامًا مع الغناء والبطولة وأدوار المرأة القوية، وثنائية شديدة الشهرة مع فريد شوقي. وتكشف حكايات موثقة من حواراتها أن وصولها إلى شخصية فاطمة تعلبة لم يكن مصادفة، بل كان وراءه اختيار شخصي وقراءة واعية للشخصية قبل أن تتحول الرواية إلى مسلسل.

هدى سلطان.. الاسم الذي لم يكن اسمها

اسم هدى سلطان لم يكن اسمها الحقيقي؛ فقد ولدت باسم بهيجة عبدالسلام عبدالعال الحو في كفر أبو جندي بمحافظة الغربية، وكانت شقيقة الفنان والمطرب والملحن محمد فوزي.

وجاء اختيار اسم «هدى سلطان» بطريقة تحمل واحدة من طرائف بداياتها الفنية؛ إذ ذكرت في حوار قديم لمجلة «الجزيرة» أن المحامية مفيدة عبدالرحمن كان لها دور في اختيار اسم «هدى»، ثم جاء اسم «سلطان» مصادفة بعد اتصال أحد أصدقاء المحامية، ليستقر الاسم الذي عرفه الجمهور لاحقًا.

لكن الوصول إلى الشهرة لم يكن سهلًا؛ فقد واجهت في البداية اعتراضًا من شقيقها محمد فوزي على دخولها المجال الفني، قبل أن يقتنع بموهبتها ويدعمها فنيًا. وبدأت مشوارها السينمائي عام 1950 من خلال فيلم «ست الحسن».

«الوتد».. الحكاية التي بدأت من ابنتها ناهد

هنا تظهر واحدة من أجمل الحكايات التي لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام عند الحديث عن هدى سلطان، قبل أن يتحول «الوتد» إلى مسلسل عام 1996، كانت الرواية قد وصلت إلى هدى سلطان من خلال ابنتها ناهد فريد شوقي.

وفي حوار قديم مع صحيفة «الأحرار» عام 1998، كشفت هدى سلطان أن ابنتها ناهد هي التي لفتت نظرها إلى رواية «الوتد» للكاتب خيري شلبي، بعدما قرأتها وأعجبت بها، وطلبت من والدتها أن تقرأها، وذلك قبل أن يبدأ المخرج أحمد النحاس التفكير في تحويلها إلى عمل درامي.

وهذه التفاصيل تمنح تجربة «فاطمة تعلبة» معنى مختلفًا؛ فالفنانة لم تدخل الشخصية باعتبارها مجرد دور مكتوب في سيناريو، وإنما كانت قد تعرفت أولًا إلى الشخصية الأدبية نفسها، وقرأت عالمها قبل الوقوف أمام الكاميرا.

لماذا بدت «فاطمة تعلبة» حقيقية إلى هذه الدرجة؟

ربما يكون هذا هو السر الأهم في نجاح هدى سلطان في «الوتد»، ففي حوار مع مجلة «الكواكب»، تحدثت عن طبيعة العلاقة التي أقامتها مع الشخصيات التي تؤديها، وقالت إن صدق العلاقة والترابط بين فاطمة تعلبة وأبنائها وزوجاتهم كان السبب في وصول الحب إلى الشاشة، مؤكدة أنها لم تكن تشعر بأنها تقول كلامًا مكتوبًا على الورق، وإنما تعيش مشاعر وأحاسيس الشخصية. كما كانت حريصة على استخدام اللهجة الفلاحية داخل بيت فاطمة تعلبة.

وهنا يمكن فهم لماذا لم تبدُ فاطمة تعلبة كأنها «شخصية تمثيلية»؛ هدى سلطان لم تكن تبحث فقط عن طريقة نطق الجمل، وإنما عن إيقاع البيت نفسه: طريقة الأم في الكلام، علاقتها بأبنائها، خوفها عليهم، رغبتها في جمعهم، وحتى سيطرتها على تفاصيل حياتهم.

وكانت فكرة «الوتد» قائمة على عائلة كبيرة تقودها فاطمة تعلبة، التي تسعى إلى الحفاظ على تماسك أبنائها وتأمين مستقبلهم، حتى لو تطلب ذلك التدخل في اختياراتهم وزيجاتهم.

من كواليس «الوتد».. هدى سلطان صنعت بيتًا حقيقيًا

من التفاصيل اللافتة التي روتها هدى سلطان أنها كانت تتعامل مع الممثلين الذين يؤدون دور أبنائها في «الوتد» باعتبارهم أبناءها بالفعل، وتسعى إلى خلق أجواء أسرية في الاستديو.

هذه النقطة تبدو صغيرة، لكنها تفسر جانبًا كبيرًا من الكيمياء التي ظهرت على الشاشة؛ فالمشاهد لم يكن يرى مجموعة ممثلين يؤدون مشهدًا عائليًا فحسب، وإنما كان يشعر بأن هناك تاريخًا مشتركًا بين أفراد الأسرة.

ولهذا جاءت نظرات فاطمة تعلبة لأبنائها، وطريقة غضبها عليهم، وقلقها عندما يمرض أحدهم، مختلفة عن الأداء التقليدي لشخصية الأم.

وهذا ما جعل هدى سلطان تتحول في مرحلة متقدمة من عمرها من نجمة سينمائية إلى واحدة من أشهر من جسدن الأم المصرية على الشاشة.

الحلقة التي أعادت «الوتد» إلى الذاكرة في زمن كورونا

من المفارقات اللافتة أن مسلسل «الوتد» عاد إلى الواجهة بقوة خلال فترة انتشار فيروس كورونا؛ لأن إحدى حلقاته تناولت تفشي وباء الكوليرا في القرية.

وفي الحلقة رقم 23، تظهر حالة الخوف التي أصابت أسرة فاطمة تعلبة، وتتعامل الأم مع الوباء بطريقتها الخاصة، فتمنع أبناءها من الخروج وتغلق الأبواب والنوافذ وتحاول حماية الأسرة من العدوى.

المفارقة أن مشاهد العمل التي كانت في وقتها جزءًا من دراما اجتماعية عن وباء قديم، اكتسبت بعد سنوات معنى جديدًا عندما شاهدها الجمهور في ظل جائحة حقيقية.

وهنا ظهر جانب آخر من قوة «الوتد»: العمل لم يكن مرتبطًا بزمنه فقط، وإنما استطاع أن يجد لنفسه معنى جديدًا كلما تغيرت الظروف.

النهاية التي تشبه الواقع.. ولكن بصورة موجعة

أكثر ما يجعل سيرة هدى سلطان بعد «الوتد» مؤثرة أن حياتها الشخصية حملت لاحقًا مصادفة شديدة القسوة مع عالم الشخصية التي جسدتها، في «الوتد»، تعيش فاطمة تعلبة مأساة فقد ابنها درويش، ثم تنتهي الحكاية بوفاتها بعده بفترة قصيرة.

أما في الواقع، فقد توفيت ابنة هدى سلطان مها فريد شوقي قبل والدتها بنحو 50 يومًا، وكان لوفاتها أثر بالغ على هدى سلطان، وفق ما نقلته «المصري اليوم» عن رانيا فريد شوقي، وكانت هدى سلطان نفسها تعاني سرطان الرئة، وهو مرض استمرت معاناتها معه سنوات قبل رحيلها عام 2006.

وهنا لا يصح القول إن الدراما «تنبأت» بحياتها أو إن أحدهما تسبب في الآخر؛ لكنها تظل مفارقة إنسانية شديدة التأثير: فنانة جسدت أمًا تفقد ابنها في نهاية عملها الأشهر، ثم عاشت هي شخصيًا ألم فقد ابنتها قبل رحيلها بأسابيع.

هدى سلطان وفريد شوقي.. حب على الشاشة وفي البيت

لا يمكن كتابة سيرة هدى سلطان دون الوقوف أمام علاقتها بالفنان فريد شوقي، التقى الاثنان فنيًا في فيلم «ست الحسن»، ثم تحولت العلاقة إلى زواج وشراكة فنية استمرت سنوات طويلة، وتختلف بعض المصادر في تحديد مدة الزواج، إذ تذكر مصادر 15 عامًا بينما تذكر أخرى 18 عامًا، لكن المؤكد أن التجربة كانت من أطول وأهم مراحل حياة هدى سلطان الشخصية والفنية. وأنجبا ابنتيهما ناهد ومها.

وخلال فترة زواجهما قدما معًا أكثر من 20 فيلمًا، من بينها «الأسطى حسن»، «رصيف نمرة 5»، «جعلوني مجرمًا»، «النمرود»، «المحتال»، «أبو الدهب»، «امرأة في الطريق»، «فتوات الحسينية» و«كهرمان».

لكن اللافت أن نجاحهما لم يكن قائمًا على الزواج وحده؛ فقد كان لكل منهما حضور فني مستقل، وهو ما ظهر بوضوح في أعمال هدى سلطان التي قدمتها بعيدًا عن فريد شوقي.

الغيرة.. كلمة ارتبطت بنهايات زواجها

تحدثت مصادر صحفية وفنية عن أن الغيرة كانت أحد أسباب انتهاء زواج هدى سلطان الأول، كما ارتبطت كذلك بانتهاء زواجها من فريد شوقي، مع اختلاف التفاصيل التي توردها المصادر حول طبيعة تلك الخلافات.

وتؤكد المصادر أن زواج هدى سلطان من فريد شوقي انتهى عام 1969، بعد سنوات من الحياة المشتركة والعمل الفني المكثف، لكن اللافت في تجربة هدى سلطان أنها لم تسمح لنهاية الزواج أن تكون نهاية للشراكة الفنية أو لمسيرتها الخاصة؛ فقد استمرت في تقديم أعمال مهمة، بل إن بعض أهم أدوارها الدرامية جاءت في مرحلة لاحقة.

هدى سلطان.. حين انتقلت من «نجمة الترسو» إلى أم الشاشة

في بداياتها، كانت هدى سلطان واحدة من نجمات السينما، وشاركت في أفلام مهمة مع عدد كبير من كبار المخرجين، وقدمت مع فريد شوقي أعمالًا جماهيرية عديدة، لكنها أيضًا تعاونت مع يوسف شاهين في «الاختيار» و«وداعًا بونابرت» و«عودة الابن الضال»، كما قدمت «امرأة في الطريق» الذي نالت عنه تقديرًا وجوائز، وشاركت في «السكرية» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ.

وفي التلفزيون، ظهرت في أعمال مثل «زينب والعرش»، «أرابيسك»، «زيزينيا»، «الليل وآخره»، «الوتد»، «ليالي الحلمية» و«رد قلبي»، وغيرها من الأعمال التي رسخت حضورها لدى أجيال مختلفة.

وتشير قواعد بيانات الأعمال الفنية إلى أن رصيدها السينمائي تجاوز 70 فيلمًا، إلى جانب مشاركات واسعة في المسرح والتلفزيون والغناء. كما جرى تكريمها في مهرجان السينما الروائية عام 1998، ومهرجان الموسيقى العربية، وحصلت على تكريم عن دورها في «الوتد» بمهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون.

سر هدى سلطان الذي بقي بعد رحيلها

ربما تكون أفضل طريقة لفهم هدى سلطان هي ألا نتعامل معها باعتبارها مجرد «نجمة قديمة»، هي فنانة بدأت بالغناء، وعرفت البطولة السينمائية، وخاضت تجربة الزواج من نجم بحجم فريد شوقي، ثم استطاعت في مرحلة عمرية متقدمة أن تعيد تقديم نفسها للجمهور من خلال شخصيات الأم والمرأة المصرية، حتى أصبحت فاطمة تعلبة واحدة من أكثر الشخصيات رسوخًا في تاريخ الدراما.

والأجمل أن حكاية «الوتد» نفسها تحمل مفتاحًا لفهم موهبتها: ابنتها ناهد هي التي عرّفتها إلى الرواية، وهدى سلطان قرأت الشخصية قبل أن تؤديها، ثم دخلت الاستديو وكأنها لا تمثل أمًا لها سبعة أبناء، وإنما تعيش وسط بيت حقيقي، وهذا ربما هو السبب الحقيقي لبقاء هدى سلطان حتى الآن.

فبعض الفنانين يتركون أفلامًا، وبعضهم يتركون جوائز، لكن قلة قليلة فقط تترك شخصية يشعر الجمهور أنها واحدة من عائلته.

هدى سلطان فعلت ذلك، ولذلك، بعد مرور سنوات طويلة على رحيلها، يكفي أن تُذكر جملة «فاطمة تعلبة» حتى يتذكر المشاهد وجهها، صوتها، لهجتها، خوفها على أبنائها، وقوة المرأة التي جعلت من البيت عالمًا كاملًا.

وهنا تكمن قيمة هدى سلطان الحقيقية: لم تكن مجرد ممثلة لعبت دور الأم… بل كانت فنانة جعلت الأم المصرية بطلة تستحق أن تُروى حكايتها.

اقرأ ايضا:

شويكار.. «سيدتي الجميلة» التي تركت الضحكة خالدة في ذاكرة الفن المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى